القيادات الفلسطينية في قطر! 

 

كان أول اجتماع سياسي تابعته عن قرب وباهتمام، هو اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان، عام 1984، حيث بُثَّ مباشرة على التلفزيون الأردني، وكنت حينها طالبا في الإعدادية. يومها كانت هناك مخاوف حول توافر النصاب، وشرعية الانعقاد مع عدم حضور الفصائل "التابعة" للنظام السوري، واستقرار فصائل معارضة ومعارضين كرئيس المجلس خالد الفاهوم، في دمشق. فشكّل مكان اجتماع المجلس، جزءا من الخلافات، أو شماعة لها.

وباستثناء مصر فإنّ اجتماع الفلسطينيين في أي دولة يثر تكهنات وأسئلة، كالمثارة الآن حول اجتماعهم في الدّوحة؟

وسط الانتقادات الكثيرة جدا، والمحقة، التي توجه للقيادات في حركتي "فتح" و"حماس" لا بد أن نسجل أنّهما برهنتا أنّهما عصيتان على الاحتواء، واللعب لصالح نظام ما. وهذا ما برهنته "حماس" كما ظهر في سوريا، وبرهنته ودفعت ثمنه "فتح" قديماً.

إثارة موضوع قطر من زاوية أخذها دور مصر، والسعودية، وقيامها بدور أكبر من حجمها، يفتقر إلى المعنى. لم يمنع أحد مصر والسعودية أو أي دولة أخرى من لعب دور فاعل؛ فهل المطلوب من الدوحة أن تتصرف بخمول حتى يكون وضعها مُرضياً؟ ثم إنّ الأصل أنّ جميع البلدان العربية مفتوحة للفلسطينيين ليتمكنوا من ترتيب بيتهم المتنقل، حتى العودة.

أمّا بالنسبة للحديث عن قطر من زاوية علاقاتها مع السياسة الأميركية، واستضافة قاعدة "السيلية" العسكرية، ونشرها خريطة "مشوهة" لفلسطين، تتضمن الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، وعلاقتها مع إسرائيل، فهذه موضوعات تنقسم إلى نوعين؛ الأول الموقف من القضايا العربية، ومنظومة الأمن العربي، والعلاقات القطرية الأميركية، وهذه كلها لم تمنع أحدا من التودد إلى قطر، وخصوصاً النظامين الإيراني والسوري، وحتى بداية الثورة السورية كانت قطر بفضل العلاقات مع دمشق وحزب الله، كمن يضع قدما فيما سمي معسكر "الاعتدال" وأخرى فيما سمي "الممانعة"، ولا يمكن تحميل الفلسطينيين، ولا يمكنهم بوضعهم الراهن، تحمل مسؤولية التصدي لهذه القضايا. أمّا الشؤون الفلسطينية، من نوع الخريطة، أو نصرة فريق فلسطيني على آخر، أو أي قضايا أخرى فهي بالفعل قضايا يجب وبشدة على الفريق الفلسطيني نقاشها، وإذا لم يفعل فقد قصّر في مهامه.

هناك بالفعل أسباب كثيرة، وتساؤلات متعددة، توجه للقيادات الفلسطينية الزائرة والمجتمعة في الدوحة، ومنها مثلا: ما الذي يحدث؟ هل تزامنت زيارات اسماعيل هنية، وخالد مشعل، ومحمود عبّاس، أو فصل بينها ساعات، وتم تحاشي لقاءات ثنائية أو ثلاثية بينهم؟ ولماذا؟ أو لماذا تتأخر اللقاءات، وتتواصل دون نتيجة عملية على الأرض؟ ومن الذي يعطل المصالحة؟

كذلك أثيرت قضايا قد تبدو هامشية للبعض، وتبدو سياسية مهمة لآخرين، مثل تقبيل هنية ليد يوسف القرضاوي مع انحناءة كبيرة له، ومن حق من يرفض هذا السلوك ويرى له معنى سياسيا أن يسأل هنية عن ذلك وعن غيره. وأن يسأله مثلا هل أثار موضوع الخريطة مثلا مع القرضاوي والمسؤولين القطريين؟ ولكن هل يحتاج هذا الأمر فقط لوقفة بشأنه؟ ماذا إذا بالنسبة لمواقف كثيرة ظهرت لمسؤولين في "فتح" مع إسرائيليين، وماذا بالنسبة للفيديو الذي ظهر على شبكات التواصل الإلكتروني، للقيادي في "فتح" جبريل الرجوب، في مقابلة مع تلفزيون إسرائيلي، (يشير البعض إلى أنّ عمرها عاما كاملا) تعليقا على رئاسته لهيئات رياضية فلسطينية، ودورها السياسي، وتساءل فيه، حول ما هو الأفضل لصورة القضية الفلسطينية عالميا أن تظهر الشابات والشبان الفلسطينيون يلبسون" شورتا" ويلعبون رياضة، أم أن يظهروا باللثام والحجاب؟. كل مسؤول خاضع للمساءلة. الفلسطينيون هم الملامون لعدم وجود برلمان، أو مجلس، يناقش، ويحاسب، في القضايا الكبيرة والصغيرة. ومشكلة الشعب الفلسطيني مع قيادته بالدرجة الأولى. وعندما يكون لديهم قيادة شرعية، لم تنته فترات انتخابها، سواء أكانت رئيسا، أو رئيس وزراء، أو مجلس تشريعي، أو مجلس وطني، وعندما لا تكون الطاقات الفلسطينية ضائعة في البحث عن المصالحة بين الفصائل، والخلافات داخل الفصائل ذاتها، وفي محاربة واتهامات الفساد والترهل، يكونون أقدر على تحديد مكان اجتماعاتهم، ومساءلة الأطراف المختلفة عن محاولات احتوائهم، أو توجيههم، أو استخدامهم ورقة، أو عن علاقتهم بإسرائيل. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-2-2012

 

 

الارشيف