"ثورة المستحيل"

 

انتشر على ألسنة الناشطين الفلسطينيين، أنّ القائد الفيتنامي الجنرال جيّاب وصف الثورة الفلسطينية، في حديث مع ياسر عرفات، بأنّها ثورة المستحيل (لم أتمكن من العثور على مصدر موثق للقصة). ومغزى الحديث أنّ الفلسطينيين لا يملكون تضاريس مناسبة لشن حرب عصابات وكفاح مسلّح، ولا يوجد دول تشكل قاعدة لانطلاقاتهم. وطوال سنوات طويلة افتخرت فصائل وخصوصاً "فتح" بأنّها أوجدت رغم الصعوبات ثورة واستمرت. ومع الوقت أصبحت هذه المقولة، تستخدم أيضاً لتبرير بعض الخطوات السياسية.

استُخدمت العبارة مثلا للدلالة على خطوات كقرار الراحل "ياسر عرفات" زيارة مصر، عندما خرج بعد معارك طرابلس في لبنان، نهاية عام 1983، بعد أن حاول طويلا الحفاظ على قاعدته هناك في وجه مطرقة القوات الإسرائيلية التي استهدفت قواته والمدنيين، وسنديان الكتائب والنظام السوري الذي حارب قوات المقاومة منذ منتصف السبعينيات، ووقفت قواته تتفرج على حرب عام 1982، ثم دعمت الانشقاق وحركة "أمل" لمهاجمة المقاومة. حينها وبعدها كانت خطوات سياسية من هذا النوع تُبَرر بأنّها "ثورة المستحيل" والظروف الصعبة التي تفرض تنازلات معينة، وتفرض ما أسماه "عبدالله حداد" في أغنية شهيرة حينها "تكتيك".

المسوغات ذاتها سيستخدمها محلل سياسي، عندما يناقش الرافضين لعلاقة "حماس" وخالد مشعل مع قطر؛ سيوضح الأسباب التي تبرر وتفرض الخروج من سوريا والابتعاد عن نظامها، وقد يقول إن العلاقة مع قطر نوع آخر من البرغماتية -الأقل ضررا- التي تفرضها ظروف "ثورة المستحيل"، وسيستدرك أنّ مشكلة "حماس" أسهل نسبيا لأنّ ثقلها الحقيقي داخل الأرض المحتلة.

كان مصطلح "ثورة المستحيل" نابعا من محاولة استنساخ تجارب ثورية في فيتنام، والصين، والجزائر، وغيرها، تعتمد على حرب العصابات والكفاح المسلح. ثم جاءت انتفاضة عام "1987" نموذجاً جديداً للمقاومة، قبل أن تطغى المفاوضات، ثم عودة الكفاح المسلح، والعنف الثوري، في الداخل، في الانتفاضة الثانية.

يقول ناشط دفع ضريبة الاعتقال مرات: "بنينا حساباتنا على أساس أن المجتمع الإسرائيلي هش، وسينهار أمام ضرباتنا، واتضح أنّ الأمر ليس كذلك؛ وحدّته ضرباتنا، ودفعته للتشدد". مثل هذا المنطق دفع لظهور اقتراح نموذج جنوب إفريقيا، من المقاطعة الدولية، الثقافية والاقتصادية، والسياسية للنظام العنصري. واتضح أن ارتباط الغرب والولايات المتحدة مع إسرائيل يفوق كثيرا الارتباط مع نظام الفصل العنصري الجنوب الإفريقي. وإذا نجح الناشطون في إقفال بقالة في لندن تبيع بضائع المستوطنات، فقد فُتحت محلات كبرى لإسرائيليين في مدن عربية، وإذا سمحت أوروبا للفلسطينيين وأنصارهم بإثارة قضايا المقاطعة، فإنّهم يخافون تهمة اللاسامية في أميركا، ويخافون الملاحقة والترحيل في الدول العربية. والأنكى أنّ إسرائيل لا تعتمد على تجارة أو صناعة في اقتصادها، بل على دافع الضرائب الأميركي المتطرف أكثر من الإسرائيليين. وقد أجريت منذ سنوات حسبة بسيطة اتضح منها أن نصيب الفرد في إسرائيل من المساعدات الأميركية يعادل نصيب الفرد من الدخل القومي في دولة مثل اليمن.

ما الحل إذا؟ ألا يوجد نموذج يجنّب الفلسطينيين مثل هذه المآزق ويجنبه التنقل هو وقياداته من شتات إلى آخر؟!.

في أغنيته أمام ياسر عرفات يقول "عبدالله حداد" عام 1983، إنّه سيعود لرعي الغنم ويسمع الراديو الترانزستور، عساه يفهم.. حدد عبدالله هنا المشكلة وسخر من الحل!

يمكن للشعب الفلسطيني أن يصنع نموذجه، فلا يوجد نموذج جاهز لتبنيه بالضرورة، ليس الفيتنامي وليس الجنوب إفريقي، أو غاندي، أو غيره. ربما هناك نموذج فلسطيني خاص، ربما نموذج انتفاضة "1987" هو ما يجب تبنيه وتطويره، وتنقيحه مما اعتراه من أخطاء. أو أي نموذج آخر. أسئلة جدوى الكفاح المسلح، أو الطرق الأنجع لإدارته، ومسألة قاعدة الانطلاق، وقضايا الهوية والعلاقة مع الدول المضيفة، وجدوى المقاطعة، ومعنى المقاومة الجماهيرية والشعبية، كلها أمور يمكن بلورتها، والتحسب لها، وربما الجميع بينها.

ولكن يستحيل ذلك طالما تأخذ قيادات محدودة العدد كل القرارات، وتقوم بتجارب لا تنتهي. ودون منظمة تحرير جديدة تفعّل العقول والطاقات وتحررها، وتوجِد آلية صنع قرار جديدة، في كل الساحات سيصعب فعل شيء؛ فالثورة الفلسطينية تحتاج كل الأدوات والساحات معا، وإذا نجح التفعيل فستنجب الثورة المستحيل.

نشرت في الغد الأردنية بتاريخ 2-2-2012

 

الارشيف