هل يزور مشعل وعبّاس عمّان معا؟

 

رغم أنّ الحديث كان طوال الشهور الماضية عن زيارة رسمية لرئيس المكتب السياسي للأردن، فإنّ المفهوم ضمنا أنّ هدف الزيارة فتح الباب أمام عودة محتملة لقيادات الحركة إلى الأردن. وبقراءة تفاصيل أول أمس، يتضح أنّ الأمر لا يتعدى زيارة "افتتاحية" كما وصفها خالد مشعل نفسه.

عدم الاتفاق في لغة كل من الأردن وحماس حول الزيارة، تبدأ من وصفهما للزيارة، ومداها الزمني. فقد نقل المركز الفلسطيني للإعلام، الموقع شبه الرسمي لحركة "حماس" أنّ اللقاء "بدأ ثلاثيا جمع العاهل الأردني وولي العهد القطري ومشعل، تلاه لقاء موسع حضره وفد "حماس"، ليستكمل الحوار على مأدبة غداء أقامها العاهل الأردني للضيوف". أمّا الخبر الرسمي الأردني فيذكر أنّ اللقاء بدأ ثنائيا بين الملك وولي العهد القطري، وجاء فيه: "انضم إلى لقاء جلالته وسمو ولي عهد قطر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، الذي رافق سموه في زيارته إلى المملكة". كما أنّ خروج مشعل ورفاقه للحديث لوسائل الإعلام، دون رفقة مسؤول أردني أيضا أمر ذو دلالة. إلى ذلك تباينت الأنباء عن مدى استمرار الزيارة، فبينما قال "المركز الفلسطيني" إنّها تمتد ثلاثة أيام في ضيافة الديوان الملكي، فإن تقارير مختلفة ذهبت حد القول إنّها انتهت بمغادرة ولي العهد القطري، أو مُددت لأسباب اجتماعية فقط.

يمثّل شكل الزيارة هذا حذرا أردنيا من حيث موضوع التمثيل الفلسطيني، كما قد يعني عدم وجود اتفاق سياسي؛ فرغم امتداد "حماس" الشعبي، فلا يمكن التعامل معها من الناحية الرسمية على أنّ لها صفة تمثيلية فلسطينية رسمية، فلو كان مشعل برفقة الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس مثلا، ستُحلّ كثيرٌ من القضايا والإشكاليات البروتوكولية والسياسية؛ لأنّ ذلك سيعني وحدة التمثيل الفلسطيني في وفد واحد، وعدم تحول أي زيارة أو إقامة حمساوية في الأردن إلى تعبير عن خلافات فلسطينية داخلية، وسيأتي ذلك في سياق ترتيب مجمل الشأن الفلسطيني، الذي يوليه الأردن أهمية. وإذا كان مشعل يطرح فكرة دخول غزة مع عباس، فيمكن طرح هذا التنسيق في بعض اتصالات "حماس" الدولية، ما سيحل كثيرا من الإشكاليات السياسية وحتى البروتوكولية، ويمكن أن يأتي تحت المظلة الموسعة لمنظمة التحرير التي بدأت مؤخرا. فتبدأ الزيارة بعمان مثلا وتنتهي في غزة!

من الناحية السياسية بالنسبة لحماس، فإنّ الزيارة والطريقة التي تمت عليها، بصحبة ولي العهد القطري، تعني ابتعادا إضافيا عن النظام في دمشق، مما يزيد من حاجتها للبحث عن مقر سياسي بديل لقادتها. وربما تدرس "حماس" الآن خيارات كمصر وتركيا. وقد ترك مشعل بتصريحاته عقب الزيارة الباب مفتوحا، أمام عودة جزئية للأردن. وما تحتاجه "حماس" من التواجد في الأردن، يتضمن أموراً سياسية رئيسية؛ أولها، السماح بنشاط إعلامي وإداري. وثانيها، نشاط دبلوماسي يتعلق بالسماح بعقد لقاءات مع أطراف إقليمية ودولية، وإجراء اتصالات انطلاقا من الأردن وفيه. وثالثا، وهو الأكثر حساسية وذو البعد الأمني، الإدارة اللوجستية لشؤون المقاومة في الداخل الفلسطيني.

"حماس" مستعدة في سبيل علاقة طيبة مع الأردن، بالقبول فيما قد يُتفق عليه من هذه الاحتياجات، وليس جميعها بالضرورة. كما أنّ الفصل بين الإخوان المسلمين الأردنيين، وحماس، يمكن احترامه وتكريسه بالفعل لتوجيه رسالة طمأنة بعدم التدخل في الشأن الداخلي الأردني. وقد قال مشعل صراحة إنّ "حماس تحترم أصول العلاقة"، وأن "العلاقات السياسية (تكون) بالتراضي"، و"نحترم حدود وسقوف أي علاقة يحددها الطرفان".

أمّا بالنسبة للأردن، فإنّ للعلاقة مع "حماس" محاذير سياسية إقليمية ودولية، وهناك مخاوف أمنية لدى بعض الدوائر على الأقل، ولكن فوائدها بل ضرورتها واضحة، فحماس رقم صعب في معادلة القرار الفلسطيني، ولا عملية سياسية في المنطقة، أو تفاعلات سياسية تتعلق بالقضية الفلسطينية، دونها.

"حماس" حركة مقاومة فاعلة، ولا يجوز عربياً تركها لتبدو دون ملجأ. وترتيب تواجدها في الأردن ممكن، ويخدم القضية الفلسطينية، وبالتالي المصلحة الأردنية العليا. ويساعد "حماس" على الحفاظ على قرار سياسي مستقل، ويدعم الاتجاه للمصالحة الفلسطينية. ومن الجدير استئناف الاتصالات بعد هذه الزيارة، وحل أي ملفات عالقة. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 31-1-2012

 

 

الارشيف