ضياع الوقت في المفاوضات أم في رفضها؟

 

ما الفرق بين ضياع الوقت في المفاوضات؟! وضياعه في رفض المفاوضات؟! لا يبدو الفرق كبيرا؛ في الحالتين تكسب إسرائيل وقتا لفرض أمر واقع على الأرض، دون قيام تحرك فلسطيني موازٍ على الأرض.

ما تمخض عن لقاءات عمّان الاسرائيلية الفلسطينية، هو رفض إسرائيلي لتقديم تصورات مكتوبة رسمية. وتقديم اقتراح شفوي يتضمن دولة غامضة الأرض، ودون سيادة. فالإسرائيليون يريدون "تواجدا" في الغور، ومعنى التواجد هنا مطاط، ومساحة الغور قد تبلغ حوالي 40% من الضفة. ثم يريدون الأرض غرب جدار الفصل، وهي نحو 8% من الضفة الغربية في بعض التقديرات، ويريدون القدس بحدودها الموسعة، وتقدّر بنحو 10% من الضفة، ويريدون المستوطنات بأرض تبلغ نحو 10%، أي لا يقدمون ما يمكن حتى نقاشه.

إذا كانت هناك مفاوضات فسيقول العالم يجب إعطائها فرصة، وإذا لم تكن فسوف تستنفذ القيادة الفلسطينية (منظمة التحرير والرئيس الفلسطيني) جهودها بتبرير عدم التفاوض وتحميل إسرائيل الوزر، وستواجه ضغوطا للعودة إلى التفاوض. أي في الحالتين سيتعرض القيادة للضغط، ولكن موقفها سيصبح أصعب شعبياً مع مثل هذه المفاوضات.

لتستطيع أي قيادة أن تفاوض لا بد من المقاومة، فالمقاومة هي ورقة القوة الفلسطينية. والمفاوضات دون مقاومة لن تحقق شيئا، بينما المقاومة دون مفاوضات قد تحقق.

تنوّعت المظاهرات والدعوات لها الأسبوع الماضي في الضفة الغربية، بين ثلاثة أنواع؛ الأول الاعتصام أمام مقر الرئاسة الفلسطينية ضد لقاءات عمّان، ومطالبة السائقين بإعلان رفض المفاوضات بالتزمير، نوع من المظاهرات العابرة وإعلان موقف، يحتاج فقط أن يطلق السائق عنان زاموره تحت شباك الرئاسة، ولا يوجد – حتى الآن - مطالب أكثر قوة كتنحي القيادة، وجزء كبير ممن يقوم بهذه المظاهرات مستقلون. النوع الثاني، كثير ممن يقوم به ينتمون أصلا لحركة "فتح" ضد سياسات الحكومة الاقتصادية، في خلل واضح بين الفصيل الذي يُفترض أن يقدم الدعم السياسي للحكومة، وبين الحكومة. أمّا النوع الثالث، فهو المسيرات والمظاهرات التي يفترض قيامها ضد الاحتلال؛ فإنّها عدا المسيرات المنتظمة أيام الجمع، فقد أصبح هناك عبء إضافي على الناشطين للحشد، وسط تشتت الجهود هذا. كما يحدث مع فعاليات "شباب ضد الاستيطان" التي تدعو لفتح شارع الشهداء في الخليل، الذي يسكن أطرافه 500 مستوطن، يحرسهم آلاف الجنود، ويغلقون الشارع في وجه أكثر من 165 ألف فلسطيني يسكنون في الشارع ومحيطه، والمقرر بدء حملة نهاية الشهر المقبل بشأنه، تحتاج دعما دوليا وفلسطينيا محليّا. يرى هؤلاء الناشطون أنّ التناقض الأساسي مع الاحتلال، وأن بقيّة المشكلات فرعية من هذه القضية.

إذا كان الجانب الفلسطيني يتعرض في كل الأحوال إلى الضغط، فما الذي يمنع أن يكون الضغط في سياق التصعيد على الأرض في المقاومة المدنية الشعبية، وتوحيد الجهود، وتتحول المظاهرات ضد سياسة الحكومة الفلسطينية الاقتصادية، لتصبح ضد سياسات الاحتلال التي تسبب الضائقة المالية، وبتحميل الاحتلال مسؤولياته أمام العالم. وأن يتم التصعيد وصولا إلى مرحلة يصبح فيها تحقيق أحد هدفين أو كلاهما ممكنا؛ أن تكون التدخلات والضغوط الدولية لوقف تصعيد الحراك الفلسطيني مقابل وقف الاستيطان، إذ أن انتهاج سياسة حافة الهاوية، بين الجماهير الفلسطينية والمستوطنين سياسة يجدر طرقها. بمعنى الرد على استفزازات المستوطنين بردود فعل جماهيرية واسعة تُظهر للعالم كيف أنّ الوضع قد ينفجر، ولا بد من تدخل. والهدف الثاني، فرض الحصول على مكاسب فلسطينية تدعم تأسيس الدولة وانتزاع السيادة على الأرض، حتى دون مفاوضات ودون اعتراف، من مثل التحرك لفتح الشوارع، وردع المستوطنين فعلا، ومناهضة الجدار، وفك حصار غزة، والمطالبة بحرية السفر. ولماذا لا تطالب شرائح من الفلسطينيين في الخارج بالعودة إلى رفع قضايا في محاكم ومحافل دولية، وتصعيد التظاهر أمام البعثات الإسرائيلية والدولية، وغير ذلك.

تخسر قيادة منظمة التحرير شعبيا ودوليا بالتركيز على الدبلوماسية والأمم المتحدة حصرا، وعدم تحركها على هذه الصعد مدعومة بمقاومة شعبية فاعلة. ولا بد أن تؤدي حالة التمادي الاستيطاني إلى حراك شعبي قريبا، شاءت المستويات السياسية أو لم تشأ.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 30-1-2012

 

 

الارشيف