"حياة غير آمنة" .. ذكريات بوصلة لا تخون

 

كنتُ قبل قراءة كتاب "حياة غير آمنة، جيل الأحلام والإخفاقات"، لشفيق الغبرا، أتخيل عند اقترابي من موضوع "الكتيبة الطلابية"، أني أمام جبل جليدي، لا يُرى سوى رأسه، فحجم التفاصيل والأسماء المتصلة بها كبيرٌ للغاية. والكتيبة تيار نشأ في حركة "فتح" في لبنان، منتصف السبعينيات، قبل أن يصبح اسمها "كتيبة الجرمق".

بعد قراءة الكتاب أصبحت الصورة أوضح نسبيّا، وغدوتُ كمن فَتَح ملفاً ضخماً، يعدُّه لكتابة رسالة جامعيّة، أو كتاب، أو موسوعة، مُقسمةٍ إلى أبواب وفصول، سيملأها بأوراق ومعلومات ووثائق في موضوع بحثه، أو كمن يفتح "مجلّدا" على الحاسوب يحتوي ملفاتٍ بعناوين مختلفة، تنتظر حشوها بالمعلومات.

يسهم الكتاب (414 صفحة) - وهو سيرة ذاتية جزئية لصاحبه حتى سن الثامنة والعشرين – في وضع عناوين للبحث، مستقاة من السنوات الست التي قضاها في الكتيبة بين عامي (1975- 1981).

يقدّم الكتاب جيلاً من الشباب، انخرط في الثورة، مؤمنا أنّه "إذا لم يذهب الأفضل إلى ساحة المعركة فمن يذهب؟". اضطر هذا الجيل لخوض الحرب الأهلية في لبنان في السبعينيات، ولكنه سعى للتخلص منها والعودة إلى مواجهة إسرائيل. سنشاهد الغبرا الذي تخرج من جورج تاون، يقاتل إلى جانب عمار (عاطف بدوان) -الذي انضم إلى الثورة في الستينيات، في عمر الخامسة عشرة- يبتسم الغبرا عام 1976، ويقول لعمّار، وسط الدمار وقذائف القوات السورية، وبعد أن يتأكدا أنهما أحياء: "هذه آخر المعارك حتى نذهب إلى الجنوب، انتبه لنفسك". أهم مَعلَم في مسيرة الكتيبة تجسيد شبابها شعار "بوصلة لا تشير إلى فلسطين خائنة"، فكانوا بذلك روّاد مبدأ "التناقض الرئيسي مع العدو، وباقي التناقضات ثانوية"، وبالفعل تكرّست الكتيبة لمقارعة الإسرائيليين في الجنوب، وسطّرت ملاحم الصمود، كما في قلعة شقيف منذ نهاية السبعينيات. بل إنّ قيادات الكتيبة انخرطت في التخطط لنقل الثورة إلى داخل فلسطين، وبدء حرب عصابات، ولم تنجح الفكرة، ولكنّها جهّزت لعمليات هناك، مثل عملية الدبويا، ضد مستوطني الخليل (1980)، التي نفذتها مجموعة نجحوا في إدخالها الضفة الغربية. كما قاتلت "دلال المغربي" في الكتيبة حتى اتجهت بوصلتها إلى الساحل الفلسطيني،  وعمليتها عام 1978.

تميّزت الكتيبة بمناقب أخلاقية عالية، رافضة أي تجاوزات أو إساءة للأهالي، وقاتلت على جبهات عدة؛ ضد العدو وعملائه في الجنوب، وضد عناصر ومجموعات في الثورة كانت تسمح لنفسها باستباحة حقوق أعدائها من اللبنانيين، وحتى حقوق المدنيين العاديين؛ فحمت الكتيبة اليهود وأموالهم في بيروت، ومنعت اضطهاد عائلات العملاء في الجنوب، وحاربت السرقات، بينما قاتلت إسرائيل برا وبحرا دون توقّف.

انبثق عن الكتيبة الاتجاه الإسلامي في "فتح"، وتعاون معها عناصر ستؤسس لاحقا "حزب الله"، وتلعب دورا في الثورة الإيرانية. كما كان لدى الكتيبة سعي لوضع أدبيات تحمل فكرا استراتيجيا واضحا للبناء الثوري والعمل المقاتل.

لو قُيض لشباب الكتيبة استكمال مشروعهم لشهدنا ربما مرحلة جديدة في الثورة الفلسطينية، أو "الثورة الثانية"؛ إلا أنّ الكِتاب يعزز فرضية أن الاقتراب من إيران وتبني الفكر الإسلامي أدى لابتعاد عناصر عن الكتيبة (مثلما استقطب إليها ربما آخرين). وأخيرا توقفت التجربة بعد خروج المقاومة من بيروت عام 1982، واستشهاد قادة بارزين.

تغري قراءة كتاب الغبرا، بالغرق في البحث والتقصي، فلا زال هناك آلاف الصفحات لتُكتب وتوثق التجربة وتناقشها.

عاد بعض أفراد الكتيبة إلى فلسطين بعد أوسلو، ومنهم من استشهد هناك في مواجهة العدو، وأصبح بعضهم أكاديميون في جامعات عالمية وعربية مرموقة، ومنهم روائيون وروائيات، ومهندسون، ورجال أعمال.

فوجئتُ كما آخرين باكتشاف أن الغبرا - الذي تابعته في الإعلام والمؤتمرات أكاديميا مرموقا - كان في الكتيبة، وعرفت بقراءة الكتاب أنّه امتنع عن الحديث عن "جهاد" (اسمه الحركي) نحو 30 عاما!.

يعود "شفيق" مع آخر صفحتين في الكتاب إلى مشاهدة ميادين "جهاد" في الجنوب، بعد تحريره عام 2000، فندرك أنّها ثورة ظلمت مرتان؛ الأولى لأننا لا نعرف تفاصيل كثيرة فيها، والثانية بسبب من أساؤوا إليها من داخلها فحجبوا البطولات الحقيقية، وحرفوا البوصلة أحياناً.   

نشر في الغد الاردنية بتاريخ 27-1-2012

 

     

الارشيف