لبرالية تبعد الحرية عن العدالة!

 

إذا كان مصطلحا العدالة والحرية متلازمان غالبا، فإنّه اللقاء بينهما داخل الأسواق صعب، وكثيرا ما تعني حرية الأسواق تغولا على المستهلك. آخر من انضم للمطالبة بنمط رأسمالية جديد، هو ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، الذي قال هذا الأسبوع إنّه سيسعى إلى "رأسمالية فيها مسؤولية اجتماعية أكبر"، وأنّه يريد جمع "الحرية والعدالة في السوق".

ويعبر قول قائد حزب المحافظين البريطاني شيئا كهذا عن عمق الأزمة الراهنة. فقد قادت مارجريت تاتشر حكومة هذا الحزب بين (1979 – 1990)، وتعد ومعها الرئيس الأميركي رونالد ريجان (1981- 1989)، رموزا للرأسمالية المنفلتة.

طبعا يُنادي كل من المستشارة الألمانية "ميركل"، والرئيس الفرنسي "ساركوزي"، منذ ثلاثة أعوام برأسمالية من نوع جديد، تمارس فيها الحكومات دورا أكبر. هذه الرأسمالية المختلفة، تنادي بها كذلك الأحزاب اليسارية الأوروبية, التي لا تطالب باشتراكية أو قطاع عام قوي. وتشاء الصدف أن تتزامن تصريحات كاميرون هذه عن "الرأسمالية الشعبية"، مع نشر إد ميليباند رئيس حزب العمال البريطاني، في الفايننشال تايمز مقالا عنوانه "الرأسمالية المسؤولة". ولا يجد ميليباند ما يعلقه على تصريحات كاميرون، إلا أنّه لن يصدق أقواله حتى يرى أفعاله، فقد تحدّث هو (أي ميليباند) عن الرأسمالية المسؤولة العام الماضي، وهاجمه كاميرون حينها.

لثنائية الحرية والعدالة، وقع موسيقي بالانجليزية (Free and Fair)، ولكن هل هناك من يتجه حقا إلى رأسمالية عادلة؟ وما معنى ذلك؟

يقول جورج باكر في"الفورين أفيرز" شهدت الولايات المتحدة نهاية السبعينيات انكسار العقد الاجتماعي غير المعلن، الذي كان يحكم حياتها الاقتصادية السياسية. حينها كان للدولة دور كبير في توجيه الاقتصاد والرعاية الاجتماعية، وكان السياسيون والنخب يعتبرون أنفسهم أصحاب مسؤولية إزاء الشعب والقانون والدولة، وكانت (ديمقراطية الطبقة الوسطى) تتضمن دورا فاعلا للناس في الانتخابات، وكان أعلى راتب لمدير في شركة نحو 40 ضعف راتب أقل المستخدمين، أمّا في 2007 فكانت النسبة (400 إلى 1). ويوضّح باكر إنّه رغم إدراك الولايات المتحدة أزمتها الراهنة، فلم تعد تلك النخب والمؤسسات تقوم بالدور ذاته. وبينما عملت البنوك الاستثمارية حينها بأموال المساهمين فكانت حذرة، أصبحت تعمل الآن بأموال الناس والمودعين، فيحرص المدير على راتبه أكثر مما يهتم بمصالح صغار المستثمرين، حيث يملك كبار الشركاء وأعضاء مجالس الإدارة سبلا لتحقيق مكاسبهم. ويقول إنّ أصحاب الأموال قد أسسوا منذ السبعينيات جماعات ضغط وبحث متخصصة في التنظير لفكرة الربح، والمصالح الضيقة، والتلاعب بالانتخابات مثل "ذا بزنس راوند تيبل، وذا هيرتيج". ويطلق باكر على ما حدث اسم "الأموال المنظمة" التي صنعت رجال سياسية موالين، معادين لدور الحكومة ومكانتها، ومن هؤلاء نويت جنجريتش، مرشح الرئاسة الأميركية. ويشير إلى أنّ الجدل الأخير في الكونجرس، حول إدارة الأزمة المالية، أوضح وجود سياسيين يرون في تقليص دور الحكومة عقيدة ينافحون عنها.

ما يتحدث عنه كاميرون والآخرون هو تقييد بعض المدراء والمستثمرين، وليس مراجعة هياكل الاقتصاد أو جوهر الرأسمالية. ولكن كما في الولايات المتحدة، يوجد في بريطانيا وغيرها تحالفٌ بين النخب البيروقراطية والمال، يمنع أي إصلاح حتى وإن كان محدوداً.

بينما كان كاميرون يعلن قبل أيام أفكارا للحد من رواتب الإدارات العليا في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، حيث زاد دخل كبار المدراء البريطانيين منذ عام 2000 عشرة أضعاف ما زاده باقي الموظفين، أعلنت الصحافة عن استغلال توني بلير، رئيس الوزراء العمالي السابق، لتفاصيل القانون الضريبي، فدفع العام الفائت 316 ألف جنيه استرليني فقط ضرائب عن دخل شركاته المقدّر بـ 12مليونا، في مثال ساطع على عمق تحالفات المال والسياسة، وعلى تعقيد أساليب رجال المال.

لا يوجد عمليا من يسعى إلى ترك الرأسمالية، أو يدعو للاشتراكية، ولكن هناك حديثا عن رأسمالية جديدة، لا يبدو حديثا جديّا أو ممكناً، والحركات الاحتجاجية الشعبية هي "رد الفعل" على عدم الجدية في العودة لنظام الاقتصاد المختلط، حيث يريد الأثرياء وكبار المدراء تحميل الشرائح الشعبية وزر الأزمة المالية، وحيث فسدت العملية الانتخابية والديمقراطية.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 26-1-2012

 

الارشيف