انقلاب نظريات التحرير


كانت إحدى الأفكار الرئيسة وراء تأسيس حركة "فتح" الفلسطينية من قِبل عناصر كانوا يوما من الإخوان المسلمين، والبعثيين والقوميين، أو قريبون منهم، أنّ التحرير يسبق إقامة نظام سياسي، ولا يحتاج إلى إيديولوجيا؛ فلا يوجد دولة نختلف هل هي إسلامية، أو شيوعية، أو لبرالية؟ ويجب التقاء كل الطاقات على درب التحرير. وبقي الإخوان المسلمون يعطون أولوية لقيام مجتمع وأمة إسلاميين، والشيوعيون عاكفون على حركة الطبقة العاملة، فيما أفرز القوميون العرب تنظيمات فلسطينية خاصة، في إيمان جزئي بالفكرة الوطنية.

إذا نحّت ثورات الربيع العربي في العام الماضي الإديولوجيا جانبا، وأعادتها مع الانتخابات، فإنّ هذه كانت فكرة "فتح" الخمسينيات. ولكن الأمر اختلف الآن، حيث تحولت "فتح" إلى فكرة إقامة الدولة قبل التحرير! أو تزعم السعى إليهما بالتزامن. وعمليا لم يحدث هذا الاختلاف دفعة واحدة، أو باتجاه واحد، ولم يكن مقصورا على "فتح".

في آخر الستينيات، انضوى تحت لواء "فتح" يساريون وقوميون لم يؤمنوا بالفكرة الوطنية، لكنهم وجدوا في "فتح" صاحبة الشعبية، خيارا مؤقتا، ساعين إلى تغييرها من الداخل. ويقول نزيه أبو نضال، وهو أحد مناضلي الحركة اليساريين: إنّ تعمق الخيار الفلسطينـي وتكرسه حدث بفعل انحسار حركة التحرر العربية، وكان هذا الخيار، "مؤقتًا، كضرورة نضالية لاستنهاض معادلة الصراع على قاعدة التناقض الرئيسي بين الأمة العربية وأعدائها". شكّلت مثل هذه الفكرة مدخلا لمحاولات إخراج "فتح" من المهمة الفلسطينية إلى معارك اليسار العالمية، ومعارك الأنظمة القومية الناشئة. وممن عبّر عن هذه المدرسة ناجي علوش، وجزء ممن قادوا الانشقاق (فتح الانتفاضة، 1983). ولكن في السبعينيات والثمانينيات، برزت الظاهرة الإسلامية في "فتح"، وكانت كتابات منير شفيق، الذي تحول من المسيحية والفكر اليساري، إلى الدين والفكر الإسلاميين، معينا لها. وتبنى الفكرة ناشطون في "فتح" مثل الشهيدين محمد محمد بحيص (أبو حسن)، ومحمد باسم سلطان التميمي (حمدي). وأنشآ تيارا داخل حركة "فتح"، تمخض عنه تشكيل مجموعات "سرايا الجهاد الإسلامي"، ودخل الشهيدان ومعهما آخرون في جدل عقائدي، فوجّها مثلا رسالة إلى الأسرى في الأرض المحتلة، تناولت نقدا للماركسية والفكر الغربي. على أنّ هذا التيار حافظ على فكرة "فتح" الرافضة للقطيعة والعداء لمن يخالفونها الرأي، وقالا للأسرى، في رسالتهما المذكورة: "لا تنسوا وحدتكم ضد عدوكم وأنتم تناقشون هذه القضايا، أي وأنتم تتفقون وتختلفون حولها". توقف هذا التيار، لأسباب منها استشهاد قادته عام 1988. لم تكن "فتح" ترى نفسها -بطبيعة الحال- بعيدة عن النضال العربي والإنساني، ولكن الإيديولوجيا كانت مؤجلة في برنامجها، وكان العامل الذاتي هو أساس حركة المقاومة، مع مساندة متبادلة مع قوى التحرر دون تبعية طرف لآخر.

أما "الإخوان المسلمون" فنمت لديهم الفكرة الوطنية والاعتراف بالخصوصية الفلسطينية تدريجيا، وترجمت بتأسيس "حماس" في الثمانينيات. ولعل تحالف "حماس" مع النظام السوري، حتى وقت قريب، على الأقل، ترجمة لهذه الوطنية، فلم يمنع خلاف النظام البعثي مع "إخوان" سوريا ووجود قانون يقضي بإعدام الإخوان هذا التحالف، وهو ما يشكل علمانية سياسية، وبرجماتية وطنية.

في السبعينيات، كانت فكرة إقامة دولة على أي جزء يتحرر من فلسطين، تتعلق بإيجاد قاعدة انطلاق فلسطينية للكفاح، بدل قواعد الانطلاق العربية التي تؤدي إلى خلافات مع المجتمعات المضيفة. لكن مع اتفاقيات أوسلو، أصبحت الفكرة هي بدء بناء الدولة، حتى قبل إعلانها وتحرير أرضها، وأعطت حكومة فيّاض الفكرة صياغات صريحة.

إذا كانت "فتح" ترفض فكرة الإيديولوجيا والحديث عن المجتمع والدولة، قبل التحرير، فقد تحولت الآن لتأسيس الدولة حتى قبل التحرير. هذه النظرية الجديدة (الدولة مقدمة للتحرر) تطورت عبر الممارسة، ودون تنظيرٍ كاف يحولها لبرنامج عمل شعبي مقبول تلتف حوله الجماهير في نضال يومي، فمشروع الدولة مثلا وقع في مشكلة الضرائب والميزانيات، وإضرابات النقابات، قبل أن تقوم الدولة، ولا يوجد حركة شعبية تقتنع بأنّ تصطف خلف الحكومة باعتبار ذلك عمليّة نضالية. على الجانب الآخر هناك ترقب لما سيحدث في موضوع الأولوية الفلسطينية، لدى "حماس"، إذ يساعد الربيع العربي على صعود الإسلاميين، والعودة لمشروع النهضة الإسلامية الجامعة. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 25-1-2012

 

الارشيف