القيادات الفلسطينية بين "الاستقالة" و"الاستنكاف"

 

نشر مصطفى اللداوي، قبل أيام مقالا جاء فيه: "في خطوةٍ لافتةٍ ورائدة، وإعلانٍ شجاعٍ وجريء، وقرارٍ مسؤول ورشيد، قد يكون هو الأول في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، إذ لم يسبقه إليه في الوطن العربي أحد، (...)  فقد أبدي خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" صادقاً عزمه على ألا يرشح نفسه لرئاسة المكتب السياسي للحركة في دورته القيادية القادمة، وأن يفسح المجال لآخرٍ من أبناء حركة حماس ليتسلم المسؤولية".  

فوجئت بالمقال، واعتقدت أن الخبر مُعلن وأنّه فاتني. ثم نشرته مصادر أخرى، ولكن صحيفة "السبيل" الأردنية صاحبة المصادر القريبة من "حماس" نفته، ناقلة عن "مصدر قيادي" في الحركة نفيا مزدوجا؛ أن يكون لدى مشعل نية لترك منصبه، أو أنّه ينوي الترّشح لرئاسة المجلس الوطني الفلسطيني. ونقلت عن المصدر ذاته أن "كل ما قيل عارٍ تماماً عن الصحة". لكن "حماس"أعلنت الخبر رسميّا، وقالت إنّ مشعل أبلغ مجلس شورى الحركة في اجتماعه الأخير برغبته في ألا يكون مرشحا لرئاسة الحركة في الدورة التنظيمية القادمة. وكشف الكاتب ياسر الزعاترة، في "الدستور" الأردنية في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، وهو من المطلعين والمتخصصين بالشأن الحمساوي، أنّ  "تسريب الخبر جاء أولا عبر شخص مفصول من الحركة، وفي سياق من الإشادة والتثمين، الأمر الذي فسَّره كثيرون بأنه محاولة لدفع الرجل إلى عدم التراجع عن قراره مهما كانت التدخلات"، فيما يبدو أنّه إشارة إلى كلام اللداوي. والواقع أنّ هذه الملابسات، مضافا إليها ما لا يقل عن ستة شهور على موعد الانتخابات، ليؤكد أنّ موقف مشعل هو رسالة سياسية، تتعلق بجدل داخلي في الحركة، وفي تغييرات أو تجاذب في سياق القيادة. ورغم أنّه من المنطقي للوهلة الأولى أن تكون قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية في داخل فلسطين، فإنّ انتقال القيادة إلى غزة، يجب التعامل معه بتروي، لأنّه قد يؤدي إلى إخلال في التوازن بين الشتات والضفة الغربية وغزة، لأنّ الوضع في غزة ليس حركة تحرر وحسب، بل هو سلطة وحكومة أيضا، ويكرر هذا المزج بين القيادة السياسية لحركة التحرر، وسلطة تنفيذية، خطأ "فتح" في عدم استدامة فعالية منظمة التحرير، واستبدال السلطة بها في كثير من الأحيان، ويجعل الحسابات قصيرة المدى تطغى على الحسابات الاستراتيجية. هذا لا يعني رأيا ضد تغيير مشعل، أو لانتقال القيادة إلى غزة أو الضفة الغربية، بل مجرد قضية للتفكير بها، والتركيز على الفصل بين السلطة والمقاومة.

بغض النظر عمّا ستؤول إليه الأمور، فإن قرار مشعل، يكمل عقد حالة الفراغ القيادي؛ فأي شخص يغادر موقعه خلال شهور، أو من المحتمل جدا أن يغادر، سيتردد في التخطيط بعيد المدى، وسيعمل على خطط قصيرة. وحتى إذا قيل أن العمل المؤسسي لا يرتبط بالأشخاص فهذا غير صحيح، فحتى الرؤساء الأميركيون يُطلق عليهم "بطة عرجاء"، في الفترة الانتقالية قبل استلام رئيس جديد، لتعقيد متطلبات اتخاذ قرارات مؤثرة.

إذا كان استمرار مشعل غير مؤكد، ورئيس "فتح"، الرئيس الفلسطيني، الذي انتهت ولايته الدستورية، محمود عباس يعلن أنّه لن يرشح نفسه مجددا، فهذا يعني أننا أمام قيادات أكبر فصيلين، ومن يحتل موقع الرئاسة، وربما قيادة المعارضة في منظمة التحرير - إن جاز التعبير- على وشك التغيير. كما أنّ لدينا حكومة مقالة في غزة، أو هي حكومة تسيير أعمال، كما تفضل مصادر قريبة من "حماس" وآراء قانونية وصفها. وحكومة تسيير أعمال في الضفة الغربية، يرأسها د. سلام فياض الذي قدم استقالته، أو أعلن استعداده تقديمها  أكثر من مرة، وتضم وزراء مستقيلين لا زالوا على رأس عملهم.

بهذا المعنى هناك انقسام جغرافي، ولا يوجد قائد يمارس صلاحيات في مختلف أماكن الوجود الفلسطيني. ولا يوجد سياسي أو قائد لديه استمرارية مرجّحة، تؤهله لخطط بعيدة المدى. والجميع إما مقالون، أو مستقيلون، أو مستنكفون، أو قاب قوسين أو أدنى!

ترتيب أوضاع الفصيلين، يرتبط به ترتيب الشأن الفلسطيني عموما، ويؤشر عدم القيام بذلك إلى احتمال صعود بدائل بعيدة عنهما. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 24-1-2012

 

الارشيف