مكانة "فتح" واعتقال دويك


حقق ياسر عرفات رمزية عالية وهو يرفع صور تلميذه والجندي تحت إمرته، مروان البرغوثي، الأسير، وحتى تحترم "فتح" مكانتها التاريخية، وتدعم مزاعمها قيادة الشعب الفلسطيني، فإنّ تبني رفض اعتقال د. عبدالعزيز دويك، ومروان البرغوثي، وأحمد سعدات، وباقي الأسرى، باعتبارهم قضية "فتحوية" وتحويلها إلى قضية نضالية يومية هو فقط ما يتسق مع زعمها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ومع إرث "فتح" النضالي، وما يجعلها تستحق اسم حركة تحرر وطني.

ليس التاسع عشر من الشهر الجاري المرة الأولى التي يعتقل فيها "دويك"، منذ أصبح رئيسا للمجلس التشريعي الفلسطيني (2006)، ولكن ثمّة اعتبارات تجعل الاعتقال مختلفا، يفرض توظيفا سياسيا مضادا، ويفرض التحول من الدفاع إلى الهجوم.

عرف العالم "دويك" متحدثا قديرا باسم مبعدي مرج الزهور، عام 1992، ثم عاد إلى المشهد بعد انتخابه رئيسا للمجلس التشريعي، وفي الحالتين كان ممثلا لقيادة سياسية معتدلة. وهو لا يتردد في تبني مواقف مستقلة أحيانا، وأن يقود اتجاهاً داخل "حماس" في الضفة الغربية أكثر تأييدا للمصالحة من تيارات الحركة الأخرى؛ فقد دعا على سبيل المثال الرئيس الفلسطيني محمود عباس في آذار(مارس) 2011، إلى زيارة قطاع غزة برفقته.

وصف بيان الرئاسة الفلسطينية المندد باعتقال دويك بأنّه "الشخصية الوطنية الفلسطينية القيادية المنتخبة للمجلس التشريعي"، ولم يصفه بأنّه رئيس المجلس، وفي هذا امتداد لرفض شرعية استمرار المجلس، ورفض لاعتبار دويك رئيسا له، على اعتبار أنّ رئيس المجلس ينتخب لدورة انعقاد واحدة. لم تكن صياغة البيان موفقة، حيث كان من الممكن الالتفاف على الخلاف الداخلي، بالإشارة لدويك باعتباره آخر رئيس منتخب للمجلس التشريعي، وبالتالي التأكيد على موقعه الاعتباري الرمزي.

يقول البيان الرئاسي "إنّ القيادة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس "أبو مازن" تجري اتصالاتها مع أطراف عديدة لضمان الإفراج السريع عن د.عزيز دويك". والواقع أنّ هذا الإعلان يزيد من حالة الإحباط؛ فحصر خيارات الشعب الفلسطيني، في الاتصالات والمفاوضات يفاقم حالة الغضب والاحتقان الشعبيين.

دويك هو آخر رئيس منتخب للمجلس التشريعي، وحيث يقوم برنامج "فتح" وحكومة د.سلام فياض، على تحويل السلطة إلى دولة، ويؤيد العالم هذا البرنامج، فيمكن أن يُقدَّم الدفاع عن دويك والنواب المعتقلين، باعتباره دفاعا عن هذه الدولة/ المشروع. وحتى تُحدِث الاتصالات المعلنة تأثيرا فيجب أن تتضمن توضيح الخيارات البديلة، بدءاً من عقد المجلس التشريعي مجددا، وانتخاب رئاسة جديدة، وصولا إلى مظاهر احتجاج أخرى، والنزول إلى الشارع.

ربما لم تتوقف الخلافات بين "فتح" و"حماس"، وهناك نقاط استفزاز متبادلة كثيرة، ولكن دفاع "فتح" عن مشروعها، يجب أن يجعلها من يتصدى لرفع لواء الأسرى، خصوصا شخص مثل دويك، فهو ممن يقودون تحولا داخل "حماس"، وهو ليس قائدا عسكريا، وله مكانة معنوية تتعلق بالمجلس التشريعي، الذي هو نتاج السلطة التي أتى بها مشروع "فتح"، وتكفي هذه الأسباب لتبرير قيام الأخيرة بالتصدي لحمل لواء استغلال الاعتقال مناسبة لبدء التصعيد، وإذا كانت تخشى أن تعتبر ردة الفعل الشعبية تعبيرا عن التأييد لحماس، فإنّ ارتفاع أعلام "فتح"، سيثبت العكس، ويجب أن ترى في انعقاد مجلس تشريعي، حتى بأغلبية "حمساوية" انتصارا لها.

كان اعتقال نواب المجلس التشريعي الفلسطيني ولا يزال ضربة للمشروع الفلسطيني السياسي، الناتج عن اتفاقيات، ومفاوضات، وهو قطع طريق على المقاومة الشعبية، كما أنّه إثبات لخشية إسرائيل النضال السياسي والشعبي المدني، بقدر خشيتها العنف، وهو ما يجب توضيحه للعالم، ويجب أن يكون الرد عليه بمزيد من النضال الشعبي والمدني الصاخب والمؤثر على الأرض، وليس مجرد بيانات وتصريحات واتصالات. ومن لا يقوم بدوره يفقد مكانته، فالشارع الفلسطيني لن يصبر طويلا على حالة الاعتداءات اليومية من المستوطنين، والجنود، ولن يصبر على حالة الانقسام والاقتسام الفصائلي، وسيبدأ ربيعه الفلسطيني.

"فتح" الحقيقية هي التي تحمل قضية أسراها فلا تنسى مروان البرغوثي، ولا تنسى أحمد عوض كميل، قائد مجموعات الفهد الأسود، المعتقل منذ ما قبل أوسلو، ولا تتخلى عن أمين عام الجبهة الشعبية سعدات، ولا تقبل باعتداءات المستوطنين، وبما يجري لآخر رئيس منتخب للمجلس التشريعي. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 23-1-2012

 

الارشيف