نتنياهو ولعبة العرائس الإيرانية

 

يبلغ مصطفى روشان الذي اغتيل في إيران قبل أيام، وقيل إنّه أستاذ جامعة وعالم كيمياء يلعب دورا بارزا في المشروع النووي الإيراني، 32 عاماً، أي أنّه كان طالبا في المدرسة، أو في الجامعة - في أحسن الأحوال- عندما بدأ الحديث عن سيناريو ضربة عسكرية أميركية أو إسرائيلية ضد مشروع إيران النووي. والمتمعن في التقارير التي تتناول احتمالية ضربة عسكرية ضد مشروع إيران النووي، في الأيام الماضية لا يجد شيئا مختلفا، عما جرى الحديث عنه منذ سنوات  والاختلاف هو من الناحيتين السياسية والاستخباراتية.

تبدو إسرائيل في وضع مريح الآن بالنسبة لإيران أكثر مما كانت عليه يوما؛ هي تقول إنّ طهران قد تصل القدرة النووية العسكرية في أقل من عام، ولكن معنى القدرات بحد ذاته مخادع؛ فبالنسبة لإسرائيل مثلا يعني هذا امتلاك المعرفة والقدرات والمواد لصناعة سلاح نووي، بينما الولايات المتحدة، تقول إن أمر القدرات العسكرية يحتاج أكثر من عام، لأنّ المهم متى يمكن تحميل هذه القدرات النووية على صواريخ وتحويلها لسلاح ممكن استخدامه.

كل ما تهدد به إيران في المقابل يكاد لا يعني إسرائيل مباشرة، فالاستعدادات الإيرانية للمواجهة العسكرية مثلاً تنصبّ على إغلاق مضيق هرمز ووقف تصدير البترول منه، وهناك تحذيرات لدول الخليج العربي من تقديم بترول يغطي أي نقص إذا ما فُرض حظر على تصدير النفط الإيراني، وربما أيضا استهداف القوات الأميركية في المنطقة، وهذه كلها لا تشكل خطراً حقيقياً مباشراً على إسرائيل. إذ حتى بالمعنى السياسي فإنّ التسابق بين مرشحي الرئاسة الأميركية على نفاق إسرائيل يجعل شخصاً مثل رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو يتمادى في اعتقاده أنّ المنطقة وواشنطن عرائس يحرك خيوطها، بل وكما نقلت نيويورك تايمز منذ أيام، أرسل الرئيس الأميركي باراك أوباما رسالة تحذير للمرشد الإيراني من أن إقفال مضيق هرمز خط أحمر. ويقول المسؤولون الأميريكيون أنّهم قادرون على فتح المضيق إذا أقفلته طهران، والأهم أن إقفاله يجعل إيران كمن تحاصر نفسها. وهذا له يعني أن الفكرة الكلاسيكية حول دور إسرائيل باعتبارها "كلب حراسة" للولايات المتحدة في المنطقة لم يعد دقيقا، وأن الولايات المتحدة هي التي تحرس إسرائيل فقط، والأخيرة هي سيدة الموقف!.

وحتى فكرة حلفاء طهران الإقليميين من الدول والمنظمات واستخدام طهران لهم، فإنّ إسرائيل تبدو مرتاحة أكثر من أي وقت سبق، فحزب الله في لبنان، أصبح أكثر حذرا منذ العام 2006 من الدخول في أي مواجهة، ولديه حسابات داخلية معقدة، ويزيد الوضع في سوريا من صعوبة خيارات حزب الله. أمّا "حماس" فتشهد تغيرا في الخيارات والسياسات، ولعل خفوت الاتصال بين حماس وإيران مؤخرا له دلالاته. والتقارير الإسرائيلية حول عمليات تزعم أنّ حزب الله كان يعدّها مؤخرا وتم إفشالها تتعلق بأهداف في بانكوك، وتايلاند، وبلغاريا، وطبعا ربما يكون المقصود في حال كان هناك أي أساس من الصحة لهذه التقارير أنّ فروع أخرى لحزب الله الإيراني (ليس الحزب اللبناني)، هي من يقف خلف مثل هذه التهديدات، والتي لا تشكل خطراً حقيقياً يردع إسرائيل، وبعيدة عنها. ولا يبقى سوى الصواريخ الإيرانية التي قد تشكل تهديداً لإسرائيل ولكنه ليس خطراً مميتاً.

إذا تلعب إسرائيل بالورقة الإيرانية وتصبح محط اهتمام العالم، ويمكن أن تقايض الموقف من طهران مع واشنطن والعالم مقابل مكاسب مختلفة، ليس أقلها تجميد الدعوات لحل للموضوع الفلسطيني. وحديث طهران عن تورط إسرائيل في اغتيال علمائها، يقوي صورة الأخيرة استخباراتيا، ويضعف صورة طهران وقدرتها على الردع. وضعف القدرة على الردع هذا هو الذي قد يشكل عامل جذبٍ لتشجيع إسرائيل على ضربة عسكرية صريحة ضد منشآت نووية إيرانية (لا تصل درجة الحرب)، مع أنّ الحظر الاقتصادي، والضربات الاستخباراتية تبدو هي الأدوات التي ستعمل إسرائيل لاستغلالها، مع إبقاء التسريبات عن ضربات عسكرية ورقة ولعبة عرائس تحركها إسرائيل، فتجعل واشنطن وطهران والعرب يأخذون أدوارا مختلفة، تتغير على المسرح صعوداً وهبوطاً.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 16-1-2012

 

الارشيف