حنّا ميخائيل وآخرون... "لا هناك إلا هناك"

 

لم تضع بريطانيا اسمها على طابع البريد عند اختراعه؛ فقد وصل شعورها بالقوة والتفرد، أن اعتبرت أنها معروفة تلقائيا. وفي الإنترنت، تضع كل دولة رمزا لتمييز عناوينها الخاصة، إلا الولايات المتحدة، باعتبار أن الإنترنت لها. وفي الكمبيوتر هناك ما يعرف بالخيار التلقائي  .(Default)

 تذكرت ذلك كله وأنا أقرأ قصة حنا ميخائيل (أبو عمر) هذا الأسبوع من ثلاثة مصادر؛ كتاب شفيق الغبرا "حياة غير آمنة"' وخبر صحافي عن إطلاق موقع انترنت له، ومقال في دورية "دراسات فلسطينية" كتبته زوجته جيهان الحلو. تبدأ القصة بخالد الحسن وهو يحضّه على البقاء في الولايات المتحدة، ليكون صوتا قويا للمقاومة هناك، فيرفض، مُصرّاً على أن يكون في الجبهة، ويغادر أميركا عام 1969، بعد حصوله على درجاته العلمية من جامعة هارفارد الشهيرة، بدءاً من بكالوريوس الكيمياء، إلى دكتوراه السياسة، عن أطروحته "السياسة والوحي في الإسلام" عند المواردي. وبعد أن درّس في جامعة واشنطن، حمل بندقيته وارتدى ملابس مستعملة، وعمل باحثا في مركز الأبحاث الفلسطيني، ومركز التخطيط. وتولى مهام كثيرة منها عضوية "جهاز الغربي" الذي يقود المقاومة داخل فلسطين، ورفض مهام تبعده عن الميدان بما فيها أن يكون أول مندوب لفلسطين في الأمم المتحدة عام 1974. وإلى جانب ذلك شغلته قضايا المرأة، والثقافة، بل واهتم بالمسرح، فاحتضن فرقة مسرحية في القدس اسمها "بلالين" ووفر لها فرص التدريب والدعم، ولم تكن نهايته في مكتب، بل اختفت آثاره في مهمة نضالية بقارب في البحر عام 1976.

ليس (أبو عمر) حالة فردية أو فريدة.

طلب خليل الوزير من الشاب الجالس أمامه القادم من معسكر "نسور العرقوب" في جنوب لبنان، في آخر نقطة بمواجهة العدو, على سفح جبل الشيخ، حيث الثلوج طوال العام، أن يحدّثه عن نفسه. تحدث الفدائي الذي قام بالأمس كما في كل يوم بتنظيف فراشه من العقارب، وبعمل الاحتياطيات اللازمة للحماية من الأفاعي، بأناقة تنبيء عن حقيقة والده الطبيب، ووالدته ابنة عائلة الطبري الثرية والعريقة في طبريا. لمعت عينا أبو جهاد، وهو يسمع أن الشاب وعائلته يحملون الجنسية الكويتية، وأنه تخرج من جامعة جورج تاون العريقة. وفيما التزم سعد صايل الصمت كعادته، سأله الوزير إن كان يقدر على مشقة الدورة العسكرية المزمعة في سوريا، فقال شفيق الغبرا (جهاد): "كما تحملتم أتحمل"، كان جهاد قد قرر في العام 1975، بوحي من خطوات ميخائيل، أن يلتحق مقاتلا بالثورة.


كثيرون تركوا أفضل الفرص؛ "إبراهيم أبو لغد" خريج برينستون، والمحاضر في الجامعات الأميركية، ذهب إلى بيروت للتفرغ للثورة، ولم يعد للولايات المتحدة إلا بعد خروج المقاتلين عام 1982، ليصبح رئيسا لقسم العلوم السياسية في جامعة نورث وسترن، ولم يطل به المقام فعاد أثناء انتفاضة 1987، أستاذا في جامعة بير زيت، في رام الله.

ليسوا فلسطينيين فقط من فعلوا ذلك، واعتذر إذ أسمح لنفسي بذكر اسم "حسين أبو رمان" مثلا دون استئذانه، وهو يترك الطب في فرنسا للقتال في جنوب لبنان.

حصل "صخر حبش"، على ماجستير الهندسة الجيولوجية من جامعة أريزونا عام 1962، واحتل منصبا هاماً، قبل انتقاله للثورة ولتدريب الأشبال اليافعين. ويحمل "موسى أبو مرزوق" الماجستير والدكتوراه في الهندسة الصناعية من الولايات المتحدة، ولدى "رمضان شلًح" دكتوراه في المصارف من بريطانيا.

ليست تجارب هؤلاء وردية، فقد غضبوا وأُحبطوا مرارا، وأزعجتهم أشياء كثيرة؛ كالتخبط والفساد والمحسوبية، وربما تكون ضرورة الاستفادة منهم في غير القتال المباشر، فكرة جديرة بالتأمل، ولكنهم استمروا واستمرت المسيرة. وفي وقتنا الراهن فإن قادة حركات التضامن هم من الجيل الفلسطيني الذي نشأ في الغرب؛ "هويدا عراف" الجليلية تربت في أميركا، واليافاوي "ريمي كنازي" متخصص بحملات المقاطعة الأكاديمية، ابن طبيب ناجح في نيويورك،  وتنتظرهما إن أرادا قصص نجاح شخصية مهمة، ولكن فلسطين هي خيارهم التلقائي، إذا قالوا ذاهبون "هناك" يقصدون أن "لا هناك إلا هناك"، لا تستوقفهم جنسيات أو مقولات توطين.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 13-1-2012

 

الارشيف