تعثّر عودة الدولة

 

إلى متى يستمر رجال الأعمال ومدراء البنوك بالتحكم في حياتنا، وفي بعض الحالات سرقتها؟ وإلام يستمر تيار العزف على أوتار العشائرية، والطائفة، والهويات الفرعية؟

في ظل الفورة الاقتصادية العالمية التي شهدها العالم حتى العام 2008، كانت اللبرالية الاقتصادية تتعمق بتطرف، وحلم بعض اللبراليين المثاليين أن تضعف الدول والحكومات، ويتولى الناس أمور أنفسهم، ملتقين في ذلك مع بعض الفاسدين ورجال الأعمال الساعين لنهب المجتمعات باسم الحرية الاقتصادية.

بدت اللبرالية المتوحشة في طريقها إلى السقوط، وساد تفاؤل أنّها ستعود إلى نمطها الأوروبي الاجتماعي المعتدل، الذي ساد في الستينيات والسبعينيات، حيث تقوم الدولة بالكثير من الوظائف، وتدعم الفقراء والتعليم والصحة. وعالميا، حاولت الدول أن تعود من خلال مجموعة العشرين التي أرادات وضع قيود على مدراء البنوك والشركات، لدرجة أن نقولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي، وأنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، تحدثا عن "رأسمالية جديدة". وقبل نحو عامين بالضبط أي في 8 كانون ثاني (يناير) 2009، وصف ساركوزي الرأسمالية المالية المبنية على المضاربات بأنّها "نظام غير أخلاقي"، وبأنها "أفسدت منطق الرأسمالية".

مضى العام 2009 دون تغيير يذكر، وهاجم المحافظون الجدد (اللبراليون الجدد) في الولايات المتحدة مشروع تقنين عمل الشركات والبنوك وفرض قواعد دولية، واعتبروا ذلك تدخلاً في السيادة الأميركية الداخلية. وظل ساركوزي يعيد ويكرر الأسطوانة ذاتها ضد الرأسمالية، وفي مؤتمر دافوس في كانون ثاني (يناير) 2010 كرر حديثه داعياً إلى مراجعة عميقة للرأسمالية، والاهتمام بالبعد الأخلاقي للتجارة الحرة. وبدا أنّ الرئيس الأميركي باراك أوباما يؤيده عندما قال إنّه يريد تغييرا يحد من ضخامة حجم البنوك ويقيدها، ويفرض قيوداً على امتلاكها لصناديق التحوط، ويمنعها من الاتّجار العقاري لتحقيق الربح لذاتها، بدلا من الاستثمار نيابة عن الزبائن والمودعين. وعلى عكس حالة شهر العسل التي كانت تدفئ برد دافوس في مؤتمرها السنوي بين الساسة ورجال الأعمال، تجّهم المدراء حينها ورفضوا.

قبل أيام كان رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، يعلن صراحة أن رواتب مدراء الشركات والبنوك أصبحت خارج المنطق ولا بد من التدخل بشأنها؛ فبينما تقوم الشركات والحكومات بالاستغناء عن موظفيها وتقليل امتيازاتهم بداعي الأزمة المالية تستمر رواتب كبار المدراء بالارتفاع، حتى في حال حققوا خسائرا، فإذا كان الحديث سابقاً عن أن عبقريتهم والأرباح التي يجنونها تستدعي رواتبهم، فإنّ رواتبهم لا تزال ترتفع وهم  يحققون الخسائر!

اتضح أن رجال الأعمال وكبار المدراء وتحالفهم مع بعض السياسيين لا زال يحكم المعادلة؛ ففي الأيام الماضية مثلاً كانت الأخبار عن أرباح رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير الهائلة، وتهربه المحتمل من الضرائب، وتبيّن حجم شبكات فساد كبيرة لدرجة أن سقوطها مرعب.  

لا زال بعض رجال السياسة يحاولون ضبط الاقتصاد، ولكن الموارد لا تسمح بذلك، فالدولة تنسحب من وظائفها أكثر لعدم وجود موارد، ويتراجع دعم التعليم، والصحة، وغير ذلك. وفي الولايات المتحدة كاد إصرار الجمهوريين على أمور من بينها تقليل التغطية الصحية للفقراء يوقف الميزانية الأميركية. في المقابل، يتمكن المدراء ورجال الأعمال من إيجاد وسائل لجعل دافعي الضرائب والمستهلكين يتحملون العبء الحقيقي للأزمة التي تسببوا بها.

وفي ظل دولة ضعيفة لا تقوم بوظائفها، وفي ظل تراجع الإعلام الجماهيري الذي تسيطر عليه الدولة، لصالح إعلام الإنترنت والهاتف الجوّال، من الطبيعي أن تصبح الهويات الفرعية، من عشائرية، وطائفية، وجهوية، وحتى العصابات المنظمة، حلاً لتوفير الدخل والأمن وفرص الحراك الاجتماعي لكثير من الناس. يضاف إلى ذلك أن أجهزة مخابرات عالمية ومحلية في دول كثيرة تتبنى الاتصال مع أصحاب هويات فرعية وتأليبها أو تمويلها لتحقيق ثورات وحروب، أو للحفاظ على مصالح الأنظمة، وربما حتى مصالح رجال الأمن. وبالتالي فإن الدولة بمفهوم أنها الراعي الأساسي للمواطن، لا زالت تتراجع، ولا تظهر في المقابل مجتمعات قادرة على تنظيم نفسها. هذا لا يمنع أن هناك حركات اجتماعية أهلية تأخذ في كثير من الدول زمام المبادرة للاحتجاج، وحتى تحدي الأنظمة والمنظومات الفاسدة، وربما الإطاحة بها، ولكن ليس استبدالها (حتى الآن) بل يستبدلون نخباً بأخرى.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 12-1-2012

 

الارشيف