طبقات الثوّار


في رائعة الكاتب د. وليد سيف والمخرج حاتم علي، مسلسل "التغريبة الفلسطينية" التلفزيوني، مشهد يمتد ثانية واحدة ولكنه يختزن معان هائلة. عندما تشتد المواجهات في الثلاثينيات بين الفلسطينيين والانتداب البريطاني، فيتقدم وبدافع وطني وشريف الفلاح الفقير البسيط أبو صالح (جمال سليمان) صفوف المتظاهرين فيحمله آخرون، وفي اللحظة التي يرتفع فيها على الأكتاف، تلتقي عيناه بعيني شقيقه ويتبادلان ابتسامة نصر، ليس نصراً وطنيا بل شخصيا وعائليا. فهذا الفقير الذي يضطهده المختار والوجهاء يُرفع على الأكتاف، وتُستدام اللحظة ويتحول أبو صالح إلى قائد للثوّار، يعطي تعليماته للمخاتير والوجهاء الذين يخطبون وده، ويقدّمون له الدعم المالي، ويتقاضون في محكمته، ويتبعه أبناؤهم.

ربما كانت الثورة في "التغريبة" ضد الاحتلال، بينما نعيش الآن مرحلة ثورات عربية ضد الأنظمة، ولكن واقع الأمر أنّ فكرة الثورة في الحالتين تتشابه.

كثيرون يلجؤون للدفاع عن الحكم في دول عربية، لا بالمحاججة حول شرعية النظام، وفاعليته، بل بالانتقاص من الثوّار والمعارضة، على اعتبار أنّهم ليسوا أفضل من الأنظمة، وأنّهم ربما ممن "خدموا" فيها، ولا يقلّون طائفية، ودكتاتورية، وفساداً، و...إلخ.

الذاهبون إلى الثورة تحركهم مبادئ و/أو مصالح. والمبادئ إلى حد كبير هي الإيديولوجيا والفلسفة والأحلام المثالية، وأفكار الخير والشر والصح والخطأ. أمّا المصالح فتتنوع بدءا من حقوق طبيعية ومشروعة، نبيلة كالمبادئ، ويعبّر عنها أفراد متضررون من النظام وفساده ووحشيته وعدم كفاءته، ويريدون فرص عمل وأجر عادل وحياة كريمة واحترام. وهناك مصالح من نوع السعي إلى السلطة والمنصب، وهؤلاء قد يكونون نُخباً تلعب على وتر الهويات الفرعية بأنواعها الطائفية، والجغرافية، والعرقية، و...إلخ.

ومن هنا يأتي إلى الثورة أفراد تحركهم الفكرة، والسعي إلى العدالة، وتأسرهم (تحررهم) الكلمة والعقيدة. ولكن بالمقابل هناك قبائل وجماعات إثنية وقرى وبلدات تدخل الثورة بقرار وجهائها، ولطالما غيرت شعوب وجماعات مذاهبها ودينها على نحو جماعي كامل لأغراض سياسية واقتصادية. وفي الثورة الفلسطينية، كانت فصائل بما فيها اليسار، الذي يفترض أنّه تقدمي ضد البنى التقليدية الاجتماعية، تتودد إلى اللاجئين في المخيمات أحيانا عبر وجهائهم، وكانت تحدث حالات انتقال جماعي من فصيل إلى آخر بناءً على ذلك. وكانت الفصائل العلمانية تنقسم على أسس جهوية وطائفية.

يكون روّاد الثورة ونواتها، في الأغلب، طليعة من ذوي مبادئ وشجاعة غير عادية، أو في حالة يأس قصوى، ولكن هؤلاء لن يتمكنوا من تعبئة الشارع دون واقع موضوعي، ودون نضج الظروف.

أي منظومة قوة تتضمن عادة استفزاز قوة مضادة، وميزة النظام الديمقراطي إتاحته التداول السلمي للقوة دون افتراض أنّ هناك أبطالاً، ودون تنصيب البعض أنفسهم وأبناءهم أنصاف آلهة لا خلاص للأمة والشعب دونهم. ويؤدي احتكار السلطة إلى استفزاز أفراد وجماعات أخرى، منهم من يريد نظاما ديمقراطيا وعدالة، أو سعيا للسلطة والجاه، فيعمدون إلى تجييش من يستطيعون بشتى السبل، ولا بأس من حلفاء خارجيين لتحقيق المرام.

عندما تصبح الثورة قوة حقيقية، ينضم إليها ويركب موجتها كثيرون. وستجد سياسيين وعسكريين من داخل الأنظمة ينشقون بعد شعورهم أن سفينة السلطة تغرق فيقفزون منها، أو لأنهم شعروا بفرصة في ظل الثورة للتحرر من خوفهم من النظام، رغم أنه ربيبه، ولكن هذا لا ينطبق على من استهوى القمع والإذلال. وهناك من رجال النظام من ينحازون لجماعاتهم الأولية التي تضغط عليهم فينشقون. وفي الثورة من يحاولون استعادة مجد عائلة أو أب، أو الانتقام لهم. وستبرز احتمالية انقسام الهويات الفرعية إزاء الثورة، فتصبح الدولة معرضة للحرب الأهلية، وهو ما تشجعه أنظمة عساه يحفظ سلطتها أو جزءاً منها.

بالمحصلة قد تجعل الثورة من الفلاح الفقير، واليساري، أو الإسلامي، أو المثقف اللبرالي في صف واحد مع الانتهازي، والطائفي، والمتسلق، والساعي للمجد الشخصي، إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الأسود في تعاملهم مع الثورة وثمارها. وستحسم الأمور قدرة أصحاب المبادئ أن يدافعوا عن مبادئهم والحفاظ عليها وترجمتها، أو الدخول في المرحلة، التي تأكل الثورة فيها أبناؤها، وينحرف الثوّار، إذا لم يبنوا نظاما يخدم الأفراد ويسمو على الأشخاص

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 10-1-2012

الارشيف