جولة "رئيس وزراء غزة"

 

تقول مصادر حركة "حماس" إنّ جولة اسماعيل هنية الحالية، التي شملت مصر، والسودان وتركيا، وتونس، حتى الآن، تجري بصفته "رئيس الوزراء المنتخب"، وبعيدا عن مناقشة هذه المقولة، فإنّ هنية ووفده لم يلتزما حتى بهذه الصفة المعلنة. 

نقلا عن مصادر حماس، فإنّ "فتح" أعدت حملة لمهاجمة الزيارة، ومن هنا فمن ينتقد شيء في الزيارة، يخاطر في أن يصنف ضمن هذه الحملة، ولكن هذا لا يلغي واجب فهم إيجابيات الجولة وعثراتها.

إذا ما تجاوزنا البعد السياسي الخاص بالدول المضيفة، وإذا مررنا سريعا على أن استثناء سوريا وإيران من الجولة، دليل تغير الجغرافيا السياسية لحركة "حماس"، وذهبنا لجوانب عملية في الزيارة، فإنّها تثير الاستغراب. مثلا نقل "المركز الفلسطيني للإعلام" التابع لحركة "حماس" أنّ وزير التربية والتعليم العالي، الدكتور أسامة المزيني، المرافق لهنية، "شرع في توقيع عدة اتفاقيات شراكة مع نظيره التونسي...؛ وذلك لخدمة الميدان التربوي والتعليمي في غزة"، وهذا مجرد مثال، على أن الجانب العملي للزيارة ارتبط بقطاع غزة وحسب.

بموجب هذا المنطق أصبح لقطاع غزة اتفاقيات مستقلة، (رغم أنّه وفد رئيس الوزراء المنتخب) والاتفاقيات لا تكون عادة إلا بين دول مستقلة، أو في بعض الحالات، وضمن نظام فدرالي، تقوم ولاية ما بإجراء اتفاقيات دولية في مجالات محدودة. ووفق المشهد الحالي لا يوجد من يوقع اتفاقيات تعنى بكل فلسطين، أو بكل الفلسطينيين في الشتات وفي وطنهم. 

ينقل المركز الفلسطيني للإعلام نفسه، أخبارا عن استياء ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، أو من يسميهم الخبر الذي ينشره المركز، بالممثلين الرسميين، من عدم التنسيق معهم في الزيارة، ومن أمور مثل عدم تضمن جولة هنية زيارة مقابر الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في تونس، ورغم رمزية هذا الأمر، فإنّه قد يعكس عدم تواصل إرث النضال، وحالة التمزق الفلسطيني. أضف لذلك حضور أعلام "الإخوان" والدول المضيفة أحيانا، مقابل غياب كامل للعلم الفلسطيني، أمر يثير التساؤل: هل ذهب هنية بصفته رئيس وزراء فلسطين!.

الزيارة من حيث المبدأ هي موقف قوي من الدول المضيفة إلى جانب الشعب الفلسطيني، وهي مؤشر أنّ وصول الإسلاميين للحكم سيخدم "حماس" بالفعل، وإن كانت أيضا مؤشر على المزيد من دخول الإسلامين، للعبة السياسية الدولية، ومعهم "حماس". فمثلا زار قائد حزب النهضة في تونس، راشد الغنوشي، مؤخرا الولايات المتحدة وتحدث في مؤسسات مؤيدة للصهيونية، مثل "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" الذي يرتبط اسمه بمجموعة أدارت المفاوضات العربية الإسرائيلية طويلا، مثل دينيس روس، ومارتن إنديك، فأي رسائل مباشرة أو غير مباشرة ستتناقلها اللقاءات بين الغنوشي و"حماس".

يمكن أن تكون زيارة هنية، بصفته شخصية وطنية فلسطينية قيادية ومرموقة، ويعكس نمط استقباله في مصر، مثلا هذا التصنيف، وكان يمكن أن تشمل زيارته أعضاء من فصائل أخرى، وكان تنسيق أجندة الزيارة في سياق المصالحة ممكن.

من يتحمل وزر هذه الحالة التي قد يكون لها تبعات مستقبلية على وحدة الشعب، وتقسيم التمثيل الفلسطيني، هم جميع الأطراف الفلسطينية. فمثلا "وزارة الخارجية" الفلسطينية جرى "التلاعب" بها وتعويمها من قبل رام الله أكثر من مرة. فقبل تشكيل حكومة "حماس" عام 2006، كان يجري تقليص دور الدائرة السياسية لمنظمة التحرير، لصالح السلطة الفلسطينية والوزير حينها ناصر القدوة، وعندما جاءت حكومة "حماس" أعيد الاعتبار للمنظمة، لسحب البساط من تحت أقدام وزير الخارجية محمود الزّهار، ثم جرى القضاء على الدائرة السياسية بعد تشكيل حكومة سلام فياض، ردا على مواقف رئيس الدائرة فاروق القدومي. ولم تعد هناك جهة فلسطينية تحتكر التمثيل الرسمي.

قيض لي أن أحضر نهاية تشرين ثاني (نوفمبر) فعاليات يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، في لندن، ثم احتفالات ذكرى انطلاقة الثورة، في أبوظبي، قبل أيّام، وفي الحالتين كانت غزة الحاضر الأول عند مجمل الشعب الفلسطيني. ولجولة هنية فوائد فلسطينية، ولكن فيها مؤشرات خطرة يجدر تطويقها بتسريع المصالحة وإعادة بناء مؤسسات تمثل كل الشعب. والقيادات الفلسطينية، عموما، بحاجة لتكون أكثر حساسية إزاء هذه الوحدة.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 9-1-2012

 

الارشيف