جديلة شقير.. "قَرَّبْنا"


ثلاثة دقائق وأربعون ثانية هي زمن أغنية الفنان والشاعر السوري سميح شقير الجديدة، "قَرَّبْنا يا الحرية"، ولكنها تختزن فنّاً عمره نحو ثلاثين عاماً، منذ بدأ شقير توزيع أغنياته في عام غزو إسرائيل لبنان، ١٩٨٢.

يُقال إنّ كلمة أو موقفاً قد تضرب على "وترٍ" أو "عصبٍ" حساس لدى الإنسان، وفي أغنيته الأخيرة دفقٌ أشبه "بجديلة أعصاب"، يلتقي فيها شقير مع نفسه مرة بعد مرة، ويستفز كل "عصب/ وتر" عند كلّ حُر.. يُلخّص روح أغنياته واحدة تلو الأخرى.

إنها كنقطة التقاء الأعصاب معا (مركزها).. تَمَسّ كلّ ما نَبَضَ في حياة شقير! تَضجُّ مشاعراً، على هدوئها، أو تضج بهدوئها.

شقير الذي غنى لبيروت والمقاومة، وغنى لفلسطين والانتفاضة، وغنى للأكراد وثوراتهم، وللسودان وشعبه، وللجولان وأهله، يختزل كثيراً من ذلك في عمله الجديد. هو يقول في لقاء صحافي إنّه "لا يفكر بأهداف أغانيه ولكن يكتب بدفع من مشاعره"، والأصوب أنّه يكتب بكينونة أعظم من المشاعر؛ فيها العقل والإحساس، وفيها ما توارثه الفنان في جيناته، وفيها تنفسه بلاده.

أعاد الشعب السوري في الشهور الماضية الاستماع لأغاني شقير عن فلسطين، ومقاومة الاحتلال، واستخدمها موسيقى لأفلامه على شبكة الإنترنت والتلفزة الوطنية، ليروي قصة ثورته هو نحو الحرية والكرامة. وفي أغنية "يا حيف" التي قدمها شقير مع انطلاق الثورة السوريّة كان كمن يعلن قراره الشخصي بالانحياز لشعبه، وكمن يُقدّم شيئاً جديداً.. أمّا "قَرَّبْنا" فيقدم فيها خُلاصة فنّه.

في "قَرَّبْنا" تجدُ موسيقى وروح أغنيته المهداة إلى صديقه الكردي "شيفان"، الذي غنى له شقير عام 1985 "لي صديق من كردستان"، فإذا ما هزّتك على مدى سنوات فإنّ كل تلك "الهزّات" ستُستعاد الآن.

الصديق هو "شيفان بيرو" المغني الكردي الشهير، يردّ الآن مع الثورة السورية الحالية، على أغنية شقير تلك له. لقد صدق شقير وعدَه صديقَه حين غنى: "لي صديق من كردستان، اسمه شيفان، صوته في البال، كاشتعال النار في النيروز، فوق هامات الجبال، (غني) للذي سوف يجيء، أطلق الشعلة، في البعيد الجريء، نحن في اللّهفات سواء، ولنا نفس الطريق، كلنا نشعلها حتى تجيء، فرحة كبرى ويوما رائعا للاحتفال في هامات الجبال". في "قَرَّبْنا" يستخدم شقير نغمات من روح موسيقى تلك الأغنية، كأنّه يقول ها هي الفرحة الكبرى اقتربت، كما قلت لك.

والآن فقط يرد "شيفان" ويغني أغنية يحلّق فيها بين الإنجليزية والكردية ثم العربية، فيردد: "أشرق بوعزيزي بإشراقه شمال إفريقيا، أضاء نوره في الشرق الأوسط فهبّت الشعوب تسير باتجاه الشمس، تهدّم جدران الصمت والخوف على رأس حكامها، فتسقط قلاع السلاطين والدكتاتوريات (واحدة) تلو الأخرى، فسيروا معا من أجل السلام". ويقول "أُغني للطفل حمزة على الخطيب, لطفل مزقت جسده طلقات ظلام, لأم تعيش كوابيس زمان, كان في ربيع عمره، تعرّف على العصيان, وقع أسيراً بين مخالب شتاء الطغيان.. أغني". ويقول "يا سميح شقير غنّي"... ويغني له رائعة أحمد شوقي: "سلام من صبا بردى أرق.. ودمع لا يكفكف يا دمشق.. وللحرية الحمراء بابٌ بكل يد مضرجة يدّق...".

ومن كردستان يرحل شقير إلى السودان فيقطف نغما من الموسيقى السودانية لأغنيته التي غناها يوما، وقال فيها "مهما سدّوا دروب علينا حنكمّل مشوارنا،....، بعدو السودان، بعدو يا محجوب، مكبل بالأغلال، والجوع القتّال، بعدو يا محجوب، يقتل الأطفال، بساعة من الفجر الحزين، أعدموك يا محجوبنا".

في "قَرَّبْنا" يشير شقير إلى علي فرزات الرسّام الذي كسروا يديه، وإبراهيم قاشوش المغنّي الذي شقوا حنجرته، ويصرخ: "شو عملتوا بإيدين الرسّام.. بالأطفال... بحنجرة المغنّي؟"، وهو بذلك يستحضر إحدى أهم أغنياته "لو راح المغني بتضل الأغاني ... لو رحل صوتي ما بترحل حناجركم" التي غناها أواسط الثمانينيات.

لستُ خبيرا في الموسيقى وربما هناك الكثير من الجمال و"الجدائل" التي لم أكتشفها، ولكني أعرف أنّ شقير جدَلَ أعصاب الثورة والجمال، من بوعزيزي إلى شيفان، ومن السودان إلى دمشق! جدَلَ كل هذا وهو يردد مع الشعب السوري "قَرَّبْنا يا الحرية.. مهرك كان غالي عليّ .. دم الشهدا فداكِ.. ننساهم لو فينا ننساكِ.. ما ننساهم..."

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-1-2012

 

الارشيف