خروج قطر من سوريا


ليست حركة "حماس" وحدها التي تخرج من سوريا، بل إنّ قطر قد فعلت ذلك. وهذا بالمعنى السياسي بالطبع، وليس المادي، وهو ما سيكون له آثار عميقة على العلاقات القطرية العربية، وبالتالي على مجمل خريطة التفاعلات السياسية في المنطقة، وربما يكون الأردن في صلب هذه التغيرات. ولعل نشر قناة "المنار" التابعة لحزب الله اللبناني، لتصريحات جديدة منسوبة لرئيس وزراء قطر، بشأن "حماس" خطوة ستسارع التحولات.

استمرت قطر في سياق الربيع العربي بالبروز قوة متحركة مؤثرة في مختلف الساحات، ولكن معطيات السياسة القطرية وأدواتها تغيرت. فبينما شاعت في السنوات الفائتة –على سبيل المثال- مقولة أنّ "قناة الجزيرة الفضائية باتت أكبر من قطر"، وأنّ القناة جزء من موجهات صناعة القرار القطري، فإنّه وتدريجيا، عاد حجم القناة وتضاءل في خريطة صناعة السياسة الخارجية القطرية، وغدت أكثر من أي وقت سابق أداة من الأدوات، وكان موقف القناة من الأحداث في سوريا أحد المحطات المهمة في مسيرتها؛ فالتردد الذي شاب عمل القناة في البداية، كان له سببان؛ الأول هو انتظار حسم الموقف القطري الرسمي. والثاني الموقف السياسي والإيديولوجي لعدد من مذيعي القناة ومحرريها. وتدريجيا خرج هؤلاء المذيعون والمحررون من القناة، وخصوصا بعد تبلور الموقف القطري الرسمي.

سعت الدوحة في البداية للتوفيق بين حليفين رئيسيين، هما الإخوان المسلمون وأطياف من المعارضة السورية يعملون في قطر أو لديهم علاقات جيدة معها، والنظام السوري. ورد الأخير رسميا وإعلاميا برفض الفكرة وقطع الطريق أمام أي تدخل أو وساطة، وبما لا يليق بطبيعة التحالف مع الدوحة، والذي سمح في السابق بدعم قطري لقوى حليفة لدمشق خصوصا في لبنان وفلسطين، سياسيّا وإعلاميّا، وفي المقابل فتح هذا التحالف الباب للدوحة للعب أدوار وساطة في لبنان وفلسطين، وساهم جزئيا أو تناغم مع علاقات قطرية – إيرانية مميزة، وأصبحت الدوحة خارج مرمى قوى الممانعة، بل وصنفت معها أحيانا، رغم العلاقات العسكرية والسياسية المميزة مع واشنطن.

قيام إعلام حزب الله، وتحديدا قناة المنار، بنشر مقال مطول على الإنترنت، موقّع باسم نضال حمادة، يتضمن تصريحات منسوبة للشيخ لرئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم آل ثاني، تقول إن حركة "حماس" قد انتهت كحركة مقاومة مسلحة، قد يبدو للوهلة الأولى نوع من الضربة– وبغض النظر عن صحة ودقة ما نقل - لعلاقات الدوحة مع حماس، ولكن نشرها من قبل الحزب، يعكس في الواقع تعمّق الهوة بين طرفين الأول فيه دمشق والحزب، والثاني فيه الدوحة وحماس.

إحدى محطات تعمّق العلاقات القطرية السورية في الماضي جاء عندما تقاسمت الدولتان رعاية "حماس" بعد خروج قيادات الحركة من الأردن، فهل يكون السيناريو الذي يجري بحثه في الدوحة، من خلال فكرة رعاية لقاء بين حماس وعمّان، أن يكون ذلك مقدمة لتحسّن وتعمق العلاقة القطرية الأردنية، التي عانت في السنوات الماضية من مطبات؟!

حذر "حماس" الشديد في التعامل مع قطر، يوضح أهميّة الدوحة في حسابات الحركة حاليا. أضف إلى ذلك أنّ مؤشرات العلاقة الجيدة بين الدوحة والإخوان المسلمين الصاعدين للحكم في مصر وتونس تتكامل مع ضرورة تقديم رعاية لحماس. ففي تونس لم تكن قناة "الجزيرة" مجرد راعٍ إعلامي للثورة هناك، بل احتضنت، ربما دون قصد، أشخاص أصبحوا مؤثرين في المعادلات الجديدة،  فوزير خارجية تونس الجديد مثلا، صهر القيادي الإسلامي راشد الغنوشي،  رفيق عبد السلام ، كان رئيسا لقسم البحوث في مركز قناة الجزيرة للدراسات. وفي مصر مثلا فإنّ صهر الشيخ يوسف القرضاوي طبيب الأطفال المصري، هشام مرسي، حامل الجنسية البريطانية، وانطلاقا من مؤسسته "أكاديمية التغيير" الموجودة في قطر، ينشط بالتعاون مع "مشروع النهضة" الذي يرأسه القيادي السابق في "الإخوان المسلمين" القطرية، جاسم سلطان، لتقديم برامج تدريبية وإرشادية في مصر، ستصب على الأغلب في تعزيز موقف الإخوان هناك.

علاقات قطر مع الإخوان، أو رموز قريبة منهم، بمن فيهم "حماس" فيها الكثر من نقاط الالتقاء، ويبقى السؤال بشأن خريطة علاقات الدوحة مع باقي دول المنطقة وأنظمتها.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 4-1-2012

 

الارشيف