"القائد الفلسطيني" خالد مشعل


تورد تحليلاتُ الأسبابِ التي دعت الفريقين الفلسطينيين "فتح" و"حماس" للمصالحة مجموعة متغيرات في المشهد الإقليمي، واعتبارات خاصة بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، ولكن خالد مشعل بات لاعباً أكثر أهمية من أي وقت مضى. ولفهم التحولات في "حماس" يجب فهم مشعل نفسه، ورؤيته للمرحلة.

حدثت في "حماس" في الماضي قصة نادرة عربياّ، وهي تحول الرجل الأول إلى الموقع الثاني بسلاسة؛ فعندما جرى اعتقال رئيس المكتب السياسي موسى أبو مرزوق أواسط التسعينيات، أصبح مشعل رئيسا للمكتب، وكان متوقعا أنّ ينتهي ذلك بخروج أبو مرزوق من الاعتقال، وهو ما حدث سنة 1997، أو سيتم انتخاب شخص جديد، كجزء من تداول مستمر للموقع. ولكن مشعل استمر، وبقي أبو مرزوق نائبا فاعلا ومؤثرا لمشعل، ولم يظهر خلاف أو تنافس يذكر.

منذ انتخابه رئيسا للمكتب السياسي، حاول مشعل فتح قناة مع القيادة الفلسطينية، ممثلة حينها بالرئيس ياسر عرفات. ولكن العلاقات لم تتطور كثيرا بين الجانبين، لأسباب منها أنّ مشعل نفسه لم يكن القائد الفعلي للحركة بوجود أحمد ياسين، وعبدالعزيز الرنتيسي، وآخرين. ثم خطى مشعل خطوة إضافية بالتنسيق مع عرفات عند اندلاع انتفاضة الأقصى، فقد كان إطلاق "فتح" للانتفاضة والشروع في الكفاح المسلح مجددا، بواسطة كتائب شهداء الأقصى، نقطة التقاء فرضت نفسها، وتُرجم الالتقاء والاتصالات بنتائج كالإفراج عن معتقلي "حماس" لدى السلطة، وتنسيق ميداني.

تعزز في السنوات الأخيرة موقع رئيس المكتب السياسي في "حماس"، بعد استشهاد الجزء الأكبر من القادة التاريخيين للحركة في غزة. وإذ حدث اختلاف علني في وجهات النظر بين الدكتور محمود الزهّار ومشعل، فإنه لم يصل مرتبة الخلاف المؤثر. وقد كان هذا مصدر قوة إضافيا لمشعل الذي اصطفّت قيادات الحركة الأخرى معه، ولحركة "حماس" التي عاشت الخلاف دون تأثر وحدتها الداخلية، وبحفاظ الزهّار على محدودية الخلاف.

كان موقف مشعل من محمود عباس، من أسباب التوتر بين "فتح" و"حماس" في الماضي، وشن أبو الوليد أكثر من هجوم على أبو مازن، في أوقات كانت الأمور بحاجة إلى تهدئة ومصالحة، ومن أبرزها هجومه المدوي في خطابه بمخيم اليرموك في دمشق، في نيسان (إبريل) 2006.

الآن وبعد خمس أعوام، اختلفت الأمور وأصبحت مساحة الالتقاء الشخصي بين عباس ومشعل أكبر من الالتقاء السياسي على الأرض بين الفصيلين/ السلطتين في الضفة وغزة، وقد ساعد على ذلك ظروف إقليمية مثل الوضع في سوريا، وتعطل المفاوضات، كما ساعد عليه تعزيز عباس ومشعل لقوتهما، كل داخل فصيله.

أصبح مشعل أكثر إحاطة بمتطلبات السياسة الإقليمية والدولية، وأدرك أن استمرار التوتر مع عباس يغلق في وجهه أبواب عربية ودولية، بينما يدرك الأخير صعوبة شن هجوم دبلوماسي دولي وسط توتر مع حماس، لذا فالرجلان معنيان بالتهدئة تكتيكيا على الأقل. أضف إلى ذلك أنّ قيادة الشعب الفلسطيني وصنع قراره لا تمر إلا عبر منظمة التحرير. وإذا تذكرنا أنّ "فتح" ذاتها تحفظت على تأسيس المنظمة أواسط الستينيات، قبل أن تقودها لاحقا، فإنّ حماس أصبحت تفكر ربما بسيناريو مشابه.

مشعل بعد أن استقرت قيادته في حماس، وبعد وصول الوضع في الأراضي المحتلة حالة اللاسلم واللامقاومة، وبعد اختلاط الأوراق الدولية، يفكر بمدخل لمشاركة أكبر في قيادة الشعب الفلسطيني سياسيا. بكلمات أخرى وصلت "حماس" نهاية المدى في التنافس على القيادة شعبيا، وبات ضروريا -وهذا منطقي ومشروع- العمل على النفاذ إلى المستويات القيادية بنوع من الشراكة المؤقتة على الأقل.

كان ياسر عرفات يحاول دائما التمييز بين موقعه قائدا لفتح وكونه قائدا للفلسطينيين، ويبدو أنّ مشعل يهدف لأن يدخل الدائرة الثانية، ويتطلب هذا تغيراً في خطابه وخطاب حماس، ومن هنا يمكن فهم وتصديق، ما نقلته الحياة اللندنية، قبل يومين عن مصادر في حماس أن التعميمات القادمة من المكتب السياسي إلى مستويات القيادة والعمل في الحركة تؤكد على التغيير، وعلى اللغة الجديدة القائمة على «العمل مع الآخر»، وتتضمن مخاطبة مشعل لقيادة الحركة في غزة قوله إن «فلسطين أكبر وأهم من قطاع غزة»، و«الشعب الفلسطيني أكبر من حماس». 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3-1-2012 

 

الارشيف