فتح والربيع العربي 

 

في مقدمة كتابه الذي صدر الشهر الفائت "حياة غير آمنة .. جيل الأحلام والإخفاقات"، يشير شفيق الغبرا إلى أنه وأثناء وضعه اللمسات الأخيرة على الكتاب بدأت ثورة الشباب في تونس ومصر، ويقول "كم شعرت بأن هذا الجيل يخاطب جيلنا، بطرق جديدة ووسائل مختلفة وزمن جديد".

يبرز الغبرا وهو الأكاديمي المرموق الذي حمل البندقية في شبابه الطابع السلمي للثورات الراهنة مقارنة مع المقاومة المسلحة العنيفة في السبعينيات، إبان تجربته الشخصية مع حركة المقاومة "في لبنان" التي كانت عربية بقدر ما كانت فلسطينية، وكانت "من أجل مشروع الأرض والتغيير بمعناه العربي الأوسع". كما يبرز دور تكنولوجيا المعلومات في الثورات الراهنة.
بقراءة الصفحات العشر الأولى من كتاب الغبرا في الساعات الأخيرة من العام ٢٠١١، أي على مقربة من ذكرى صدور البيان الأول لقوات العاصفة (حركة فتح)، عام ١٩٦٥، ألحت علي فكرة تراودني منذ تباشير اندلاع الثورات العربية، محورها الأول الشبه بين انطلاقة فتح والثورات الراهنة. والثاني، عدم قدرة "فتح" على استيعاب هذا التشابه، واستمرار تعثر إصلاح ذاتها. 

وفي الواقع هناك عناصر تشابه رئيسية بين "فتح" في بداياتها وبين الربيع العربي. أولها البعد عن الأيدولوجيا - وهو بعد أكثر من كونه إبعادٌ أو تأجيل وتحييد- والبحث عن المشترك، حتى حين. فقد جمعت فتح اليساري والإسلامي والقومي، ولم تطلب إليهم تغيير مبادئهم، وإنما طلبت تركيز البوصلة على هدف التحرير السابق لبناء مجتمع ونظام وفق رؤى قد تكون أيدولوجية. 
عامل التشابه الثاني هو التفكير في الإطار الوطني دون إهمال الامتداد العروبي والإنساني، وهو ما فعلته الثورات العربية، حيث لم ترفع أي ثورة شعاراً مثل الوحدة العربية أو الخلافة الإسلامية أو انتصار الطبقة العاملة الأممية، بل طرحت أهدافا وطنية، تسبق )ولا تلغي في المدى الأبعد) أي تفكير عابر للحدود. 
ثمة تشابه ثالث، هو البدء بالعمل قبل تبلور نظرية للتغيير، ففتح طرحت مجموعة أفكار عامة ولكن نظرية التحرير كانت تتطور وتتغير أثناء التجربة، وبالمثل لم تكن لدى الثورات العربية مطالب واضحة سوى إسقاط الأنظمة الراهنة و/ أو الإصلاح. 
ووجه الشبه الرابع، عدم وضوح القيادة والهيكل التنظيمي؛ ففي بداياتها ولمرحلة طويلة، لم يكن في فتح منصب رسمي لرئيس الحركة، وجاءت مكانة ياسر عرفات في البداية من موقع معنوي، ومن مكانته في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، أكثر منها موقعا واضحا في "فتح"، واكتست البنية التنظيمية للحركة بقدر من الهلامية.  تماما كما هي الثورات الشبابية الراهنة دون بنية قيادية واضحة. 
في مسيرتها الراهنة تبدو فتح، في جزء كبير منها، كما لو كانت أسيرة البحث عن كاريزما القيادة التاريخية، والحسرة على تلك القيادة، دون إدراك أو استيعاب لحقيقة أن مفهوم ونوع القيادة تغير. ولا زال هناك إصرار على أن الثورة الفلسطينية "غير " ولا بد من القائد الملهم.
من ناحية ثانية لا يبدو أن أحدا في "فتح" يفطن إلى أن الحركة كانت سباقة في تهميش الأيدولوجيا، لذلك تجد مجموعات من الحركة مشغولة بالرد على طروحات الإسلام السياسي، أو تبني بعدٍ إسلامي في خطابهم. ولكن الأهم أن الحركة لم تستطع العودة إلى الطابع الشعبي الطوعي والمبادرات القاعدية الذاتية والابتعاد عن شكل الحزب الحاكم، ووضع برنامج عمل جديد واضح المعالم، يجمع القواعد الشعبية ويستوعب التغيرات السياسية والفكرية والتكنولوجية العالمية. 
يحتاج العمل الفلسطيني عموما إلى فهم دروس الثورات العربية المعاصرة وقراءتها بشكل أعمق وأكثر اهتماما. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 2-1-2012

 

 

الارشيف