ما "بعد بعد" 26 يناير

 

واجهت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عندما قررت التجاوب مع تأجيل تقرير غولدستون، عام 2009 هجمة غير مسبوقة، باعتبار ما قامت به تفريطاً. وعندما ذهبت إلى الأمم المتحدة رفعت من حجم التوقعات لدى جماهير عريضة، وحصدت الخطوة تأييدا شعبيا واسعاً، مع تشكك وتشكيك من قبل قطاعات، لا يثق بعضها بالمجتمع الدولي ولطالما خاب أملها فيه، فيما يواصل البعض مبدأ مناكفة الرئيس محمود عباس، وفصيله.

ثم جاءت عضوية فلسطين في اليونسكو، فأيدها كثيرون، وتساءل البعض عن معناها العملي والسياسي الحقيقيين، وربما علينا أن نسأل الآن أو بعد وقت ليس طويلا، كيف أثرت عضوية اليونسكو في القضية الفلسطينية عمليّا؟  

وبعد ذلك حدّد عباس ومعه بالدرجة الأولى كبير المفاوضين صائب عريقات 26 كانون الثاني (يناير) باعتباره موعدا فاصلا يختلف ما قبله عمّا بعده، وبمرور يوم أمس يكون قد مضى شهران على الموعد ولا يوجد شيء يذكر.

هناك حديث عن "رسالة" فلسطينية يتم إعدادها تعليقاً على المفاوضات وتوقفها، ويتم في الوقت ذاته وعلى نحو واسع تداول صورة للصفحة الأولى من صحيفة القدس المقدسية، قبل 20 عاما، يتعهد فيها القادة الفلسطينيون بعدم المضي في المفاوضات دون وقف الاستيطان، مما يجعل الأمر يبدو عبثيّا.

تبدو مسألة الرد برسالة غريبة؛ فالتوقعات أنّ الحديث يدور عن فعل ما، وقرارات محددة، ومقاومة شعبية، أو قرار كحل السلطة مثلا. وفي مماطلة جديدة من الصبر والتأني سرت توقعات أنّ الرسالة ستتضمن شيئا من هذا.

ولكن لا شيء من هذا يحدث ولا رسالة تُرسل، مما يعيدنا إلى تساؤل آخر لماذا يجب الانتظار؟ لماذا لم تكن "الرسالة" جاهزة عند رفض عضوية فلسطين في الأمم المتحدة؟ أو لتعلن يوم 27 كانون ثان؟ فتكون ورقة ضغط يتم التلويح بها حينها.

نحن الآن مع خبر موافقة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الخميس الماضي، على إنشاء بعثة تحقيق دولية بشأن تداعيات بناء المستوطنات الاسرائيلية.

وفي موضوع الرسالة واللجنة يتكرر سيناريو أن ضغوطاً أميركية تُمارس لوقف هذه الخطوات، التي لا يوجد لها نتائج عملية متوقعة، وتتكرر فكرة وقف الضرائب والمساعدات.

أصبح الأمر أشبه بمسلسل ممل تتكرر حلقاته دون جدوى!

ليس المقصود التقليل من "نجاحات" الدبلوماسية الفلسطينية منذ نهاية أيلول (سبتمبر) الفائت، ولكن الحقيقة أنّ الأمر أشبه بمحاولة التحليق بجناح واحد، أو التصفيق بكف واحدة؛ فمن جهة ربما تساهم هذه التحركات بعزل معنوي متزايد لإسرائيل، ولكن الدعم الأميركي الشامل، والاكتفاء الأوروبي بمواقف دعائية دون إجراءات ضد إسرائيل، يفرغ هذه الخطوات من معناها.

لقد أصرت القيادة الفلسطينية الحالية على مدى 20 عاما تقريبا على المفاوضات، والسؤال هل سنجرب الدبلوماسية الدولية 20 عاما أخرى؟! وإلى متى يتأخر تجديد القيادة ويبقى الجميع رهن خلافات "فتح" و"حماس"؟

لماذا لا توجد مقاومة شعبية داعمة للدبلوماسية؟ هل السبب عدم وضع القيادة ثقلها خلف هذا الخيار؟ أم عدم وجود قرار بشأنه؟ أم أن الفصائل فقدت ماكنتها الشعبية وفقدت الاتصال مع الشارع؟

لعل من المبرر والمشروع القول أن الدبلوماسية الصرفة دون حراك ميداني داعم، لن تحقق نتائج، لأن الدبلوماسية كما التفاوض لا تحقق مكاسب دون أوراق قوة. وبدون ضغط عربي وتحرك شعبي لا يبدو أن هناك أوراق قوة فلسطينية حقيقية، ويعني هذا أنّ دبلوماسية المنظمات الدولية قد تصبح وجها آخر لدبلوماسية التفاوض. وفي مثل هذه الحالة لا تكون واشنطن مثلا، مكترثة لتحرك حقيقي لفرض تقدم في الحل السياسي.

ليس بالضرورة أن يكون الحراك المقبل على شكل انتفاضة جديدة شاملة، ولكن ربما أشكال أخرى من نوع حراك شعبي مقاوم في كل فلسطين، يتضمن العصيان المدني وإعادة النظر في علاقة السلطة بإسرائيل، وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، والمضي في المصالحة الوطنية. عدا ذلك فربما يكون رد الفعل الشعبي انتفاضة ثالثة، أو أنواعا من المقاومة الخارجة عن السيطرة.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 27/03/2012

الارشيف