"حرب 1991".. ذكريات جامعيّة


كثيرة هي الأبعاد السياسية التي يمكن الوقوف عليها بمرور الذكرى العشرين لبداية الأعمال العسكرية في حرب الخليج عام 1991، هذا الأسبوع. وما يمكن استدعاؤه أكثر هو الذكريات التي رافقت الحدث. وإذ أغالب منذ شهور الرغبة في التعليق على العنف في الجامعات الأردنية، حتى لا أكتب فيما لا أعايش، فهذه فرصة لاستذكار الحالة الطلابية حينها، حيث سأروي لتلك الحالة وجهان أحدهما إيجابي والآخر سلبي.

قبل شهور من الحرب كان الحراك في الجامعات والمعاهد الأردنية في أوجه؛ فقد خرج حينها عدد من "عتاولة" الطلبة اليساريين -أبرزهم شيوعيون- من المعتقل، أهمهم سلمان النقرش، وبدؤوا ومعهم آخرون حراكا لتأسيس اتحاد عام لطلبة الأردن، واقتنع الإسلاميون بالفكرة، فشاركوا في حملها. وحاول الاتجاه المضاد من بين مجموعة تدابير لإفشال الفكرة لعب ورقة العراق، فكان أنصاره يسألون في المنتديات الخاصة بمناقشة الفكرة في الجامعة الأردنية: لماذا تحرفون الانتباه عن الخطر الذي يواجه بغداد؟. لم يكن صدام حسين حينها قد غزا الكويت بعد، ولكنه كان يهدد بحرق نصف إسرائيل، وكان العالم مشغولا بالحديث عن صواريخه المتطورة. المهم أنّ انتخابات تلو الأخرى أجريت في المواقع والجامعات لانتخاب لجان تحضيرية للاتحاد، وكنا ننهي فرز الأصوات في الرابعة فجرا، دون حدوث أي صدام أو توتر، ودون أن نشعر بتدخلٍ من خارج الجامعة، ولا أتذكر أبدا أنّ انتماء الطلبة العشائري والجهوي كان أمراً يذكر. كانت المرة الوحيدة التي سمعتُ فيها شخصا يشير لاسم عائلته "حسام غرايبة"، رئيس لجنة الجامعة الأردنية، لأنهّ أراد أن يقول للطلبة أنّه من عائلة د. فوزي غرايبة، رئيس الجامعة حينها، وأنّ الجميع يلتقون على حب الجامعة. وأصبح وضاح خنفر مثلا القادم لتوّه من الضفة الغربية رئيسا للجنة العليا على مستوى المملكة، وكان مشهورا بجملة يرددها في خطاباته الصاخبة "والله إننا نحبّها بشجرها، وأرضها، وسمائها، ومبانيها، وطلبتها"، ويقصد الجامعة والحرص على المصلحة العامّة. وهنا لا بد أن أنوّه أنّي كنت وأنا عضو اللجنة العليا على خلاف متكرر مع وضّاح وحسام، وكان بعضه سياسيا، ولكنّا عملنا سويّا كل يوم، وحين وقعت حرب العراق، اندمجنا في العمل العام بلا توقف، كما اندمجت كل الاتجاهات.

في الجانب الآخر مما أذكره أني تصديتُ لتنظيم ندوة تحلل الحرب المقبلة عسكريا ونفسيّا، فاخترتُ قائداً عسكرياً أردنياً سابقاً، ومحاضراً في الحرب النفسية من الجامعة. وحدث جدل مع الزملاء الذين اعترضوا على الاسمين، حتى صارحني أحدهم: "يجب أن يكون المتحدث من الحركة الإسلامية"! رفضت هذا المنطق، خصوصا أنّ من اخترتهم لا يمثلون تيارات سياسية، وتسوية للأمر وافقت على استبدال أحد قادة التيار الإسلامي بمحاضر الحرب النفسية.

فوجئت يوم الندوة بالمحاضر الإسلامي يقرأ من أوراق قديمة له، وكنتُ وأنا الجالس بجانبه أرى مراجعه، ففوجئت به يقرأ فقرات من كتاب قديم لصلاح نصر، رئيس المخابرات المصرية في الستينيات، عن الحرب النفسية. ما فاجأني أكثر الطريقة التي كان الطلبة وخصوصا الطالبات يتلقين فيها ما يقوله، ويكتبنه رغم أنه لا يقدم فائدة عملية تُذكر. أما القائد العسكري فبالغ في خطابه الحماسي، وفي شتم حسني مبارك. وعندما حان وقت الاسئلة، اخترتُ من الأسئلة المكتوبة ما يتحدى الجو الحماسي؛ ومنها سؤال مفاده "صدام حسين بعثي اشتراكي، فكيف تؤيده الحركة الإسلامية؟" رد القيادي أنّ الوقت غير مناسب لمثل هذه الأسئلة، رافضا توضيح الأمر. أمّا القائد العسكري، فسألته بعد المحاضرة "كيف تتوقع انتصار العراق، وهو محاصر ويمتلك إمدادات عسكرية محدودة، فيما يمتلك التحالف المقابل مددا لا ينتهي؟"، ردّ علي: هذا صحيح، ولكني لا استطيع قوله للناس.

كان الجو العام رافضا للتفكير والأسئلة، وأذكر استاذاً يمتاز بالعقلانية، تعلمنا منه الكثير في قسم العلوم السياسية، تحوّل لكتابة الشعر في عموده الصحافي، مكان التحليلات.

لا أعلم هل نضج خطابنا السياسي بعد هذه الأعوام؟! أعتقد أنّ القدرة على النقد والمعارضة أصبحت أكبر. وفي المقابل أصبح الانقسام والجهوية والهويات الفرعية الذي لم نكن نلقي له بالا، أمرا خطيرا الآن. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 20-1-2012

 

الارشيف