هل يلتزم العقيد بتعليمات مشعل وعباس؟

 

هل يرضى عقيد في أجهزة الأمن في غزة، والعاملة تحت ظل حكومة حركة "حماس" أن يعود ويعمل تحت إمرة ضابط برتبة عقيد ممن كانوا يعملون في ظل حكومات "فتح" السابقة؟! والسؤال نفسه يمكن أن نسأله بالعكس، هل سيعمل ضابط مخابرات "فتحاوي" حالي، تحت قيادة حمساوي؟ هذا السؤال مؤسف، ولكنه أحد الألغام التي تنتظر المصالحة الفلسطينية.

وهل سيرضى عسكري، مثل القيادي في حماس، أحمد الجعبري في غزة، العمل تحت مظلة القرار الأمني الرسمي؟ أم سيتكرر ما حدث سابقا من ازدواجية العسكري الفتحاوي والأمني الرسمي.

من شارك في المقاومة فعل ذلك بالمقام الأول من أجل فلسطين، ولا مزاودة على أحد. ولكن ما حدث لاحقا من مواقع ومناصب ومصالح أصبح أمراً واقعاً. فالأنفاق واقتصادها في غزة أمر واقع، والسلطة وحتى اقتصاد التنسيق الأمني مع الاحتلال والمتنفعون منه، أصبح أمرا واقعا أيضا، وتجاوز كل هذا صعب، ولكنه ليس مستحيلا.

تقارب محمود عباس وخالد مشعل، فيه حسابات وطنية وفصائلية وحتى شخصية، والحسابات الوطنية تتعلق بالالتقاء في المنتصف والتفاهم، والفصائلية، فيها أنّ كل طرف سيستمر في محاولة الانفراد بالقيادة دون أن يكون الآخر عائقا أمامه، وللقائدين حساباتهما الشخصية أيضاً.

في الحسابات الوطنية، يدرك كلا الطرفين أنّ الشعب الفلسطيني يريد الوحدة، ويدركان أن ّ المصلحة الوطنية لن تتحقق مع الانقسام. أضف إلى ذلك أن كلا الطرفين يدركان أنّ بعض حساباتهما كانت خاطئة، أو أن الطرق باتت مسدودة؛ فالرئيس عبّاس اضطر للاعتراف بدرب المفاوضات المغلق، ورده على التعنت الدولي تضمن ترتيب البيت الداخلي، كما أنّ النظام الجديد في مصر، قد يعني علاقة أفضل مع "حماس". في المقابل فإنّ مشعل يدرك أنّ التجربة السورية فرضت القرار الوطني المستقل، وأنّ الأنظمة الجديدة في دول عربية حتى لو قادها الإخوان المسلمون، فإنّ حسابات الواقعية السياسية والأولويات القطرية لا تعني أنّ تغيرا دراماتيكيا لصالح "حماس" سيجري قريبا. كما طال زمن الحصار على غزة كثيرا ولا يوجد أفق حقيقي لرفعه دون ترتيبات وطنية عامة.

في الحسابات الفصائلية، استطاع كل فصيل تحجيم الآخر في منطقة وجوده، أي "فتح" حجّمت "حماس" في الضفة بل وتقاربت مع عدد من قياداتها هناك، و"حماس" حجمت "فتح" في غزة، وصار الأمر يحتاج مقاربة جديدة. ربما تراهن "حماس" أن دخول منظمة التحرير يمهد لاستلامها زمام القيادة فيها، وربما ترى "فتح" أنّ "حماس" سترضى باستمرارها في القيادة.

في الحسابات الشخصية، فإنّ عباس يريد الخروج من المشهد ومن موقع الرئاسة بأكثر الطرق ترتيبا وأناقة واحتراماً، له شخصيّا، وللقضية الوطنية عموما. في المقابل فإنّ مشعل لا يوجد له أي منصب رسمي فلسطيني حتى الآن. فهو ليس جزءا من مؤسسات منظمة التحرير أو السلطة الفلسطينية، ومؤخرا بات هناك من يريد في حماس فتح ملف مكان القيادة وصلاحياتها. أضف إلى ذلك أن مشعل أصبح لديه حصيلة تجربة وخبرة في السياسة الدولية أوضحت له كثيرا من قواعد اللعبة، وجعلته أكثر واقعية. وجعلت "حماس" أكثر إدراكا لأهمية أن تكون حركة وطنية، ذات أهداف فلسطينية واقعية، بدل الأهداف الإسلامية العامة. كما تقارب الطرفان في فكرة المقاومة المدنية.

في المحصلة هناك تقارب بين قيادات الحركتين، على مستوى التفكير، والبرنامج السياسي، والتقاء على المستوى الشخصي، وهذا يعني عمليا أن نقاط الافتراق التي كانت في الماضي قد تقلصت، ولكن في المقابل سيعاني القائدان على صعيد إقناع الأنصار والقاعدة التنظيمية، خصوصا في إطار المصالح التي ترتبت على الانقسام وعن ممارسة السلطة ميدانيا، والتي قد تتضرر في ظل المصالحة.

أحد أهم مداخل تجاوز عقبات مثل هذا النوع من المعارضة الميدانية، هي نزع الصبغة الفصائلية عن مجمل عملية الإصلاح، والتركيز على فكرة الإصلاح في المرحلة المقبلة أكثر من فكرة المصالحة. ونزع الفصائلية يتطلب إعطاء الشخصيات المستقلة وفصائل أخرى حضورا في العملية، وربما أطراف عربية، والمسارعة في ترتيب شؤون الانتخابات الجديدة للمجلسين الوطني والتشريعي، حتى لو لم يحسم أمر حكومة الوحدة الوطنية.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 27/12/2011

 

الارشيف