الجوكر الحمساوي وسلفيو الإذاعة الإسرائيلية


اشترك إعلام النظام السوري، مع إعلام الكيان الصهيوني، هذا الأسبوع في ألاعيب إعلامية لإدخال فلسطين جزءا من مشهد الثورات العربية.

على الطرف السوري، نُشرت تصريحات منسوبة لرئيس حركة "حماس" خالد مشعل بحق الشيخ يوسف القرضاوي، وصهيونيا أجرت إذاعة الجيش الإسرائيلي مقابلة مع يسري حمّاد المتحدث باسم حزب النور السلفي المصري.

أول ما يجب أن يبحث عنه أي إعلامي مهني، هو عناصر الخبر الأساسية (من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ لماذا؟)، وهذه أبجدّيات الإعلام. وخبر تصريحات مشعل كما نشر في مصادر كثيرة لا يوضّح أين ومتى قال ما نسب إليه. والمصدر الذي اعتمدت عليها وسائل إعلام عدة هو "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السورية"، وقد وجدتُ أن الخبر نشر هناك فعلا.  أمّا سند الخبر كما نقله طارق الحميد، رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط" فيتسلسل من صحيفة «العرب» القطرية نقلا عن وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا» نقلا عن موقع "سوريا اليوم".

الأقوال المنسوبة كفيلة بإثارة الشكوك بأنّها قيلت، من نوع: "حكام السنة في العالم العربي باعوا قضيتنا وأبرز شيوخ السنة تخلوا عن أهلنا"، فما الذي يدعو مشعل لتخصيص "السنّة" في حديثه؟ وما الذي يجعله يقول إنّه "ولا سني ضحى وخاطر بحكمه وببلده من أجل فلسطين ورفضا للتضييق على المقاومة الفلسطينية كما فعل بشار الأسد"؟. وكذلك زعم طلب مشعل من القرضاوي "أن يحكّم ضميره".

الغريب أن مواقع وصحف كثيرة غير منحازة للنظام السوري نقلت الخبر دون توضيح مصدرها. وكان السلوك الصحيح إزاء مثل هذا الغموض أن تتوجه الصحف وتسأل مشعل أو أحد الناطقيين الرسميين أو القادة في حماس وهم كثر ومتاحون للإعلام. أمّا النشر على عواهنه فهو إمّا تواطؤ في عملية "غسيل الأخبار" كما يسميها طارق الحميد، أو انسياق وسذاجة في تصديق وسائل الإعلام الإيرانية السورية الرسمية، أو فقر مهني مدقع. فقد كان أضعف الإيمان التنويه إلى الخلل الذي يعتري الخبر، وإلى أنّه لم يتم التأكد منه من مصدر موثوق.

نفت حماس رسميّا أن يكون مشعل قال ما نسب إليه. وربما يتضح أنّه قال شيئاً جرى تضخيمه وتحريفه، وربما غير مخصص للنشر، ولكن بنشر الإعلام السوري تصريحات مثل هذه فهي ربما تراهن على أنّ قائد حماس سيخجل من تكذيبهم وأنّهم يستخدمون "الجوكر" الحمساوي في اللعبة الإعلامية، أو أنّ الخبر سيثير بلبلة لن يلغيها نفي حمساوي. أو ربما المقصود الوصول مع حماس إلى لحظة حسم؟! وربما يعتقدون أن من حقهم باسم الممانعة تقويل من يشاؤون ما يريدون باعتبارهم أتباع ومحاسيب وشبيحة؟!

السؤال الآن، هل يعترف من يصر على مناصرة النظام السوري أنّ المقاومة وفصائلها في عرف حكّام دمشق مجرد "أوراق" يتم اللعب بها؟ وهل يتذكرون جرائم هذا النظام إزاء المقاومة بدءا من "تل الزعتر" مرورا بحروب المخيمات والانشقاق في لبنان، وصولا لهدوء جبهاته مع إسرائيل؟ أم سيلومون مشعل لأنه لم يتحوّل إلى شبّيح إعلامي؟

بالنسبة للقاء الناطق باسم الحزب السلفي مع الراديو الصهيوني، فقد ذكرتني الحادثة بقصتين؛ الأولى تقرير نشرته يوما صحيفة إسرائيلية منسوبا لمراسلها في دولة عربية، ويتضمن لقاءات مع أشخاص يصعب تخيل حديثهم إليها. بحثتُ حينها عن اسم الصحافي/ المراسل، فوجدتُ أنّه صحافي مستقل، أي يجري مقابلة ويبيعها لمن يشتري، وهكذا أمكن للصحيفة الزعم أنّ لديها مراسل في تلك الدولة. والقصة الثانية، مع فتاة تعمل في مركز أبحاث عربي فوجئَت باسمها واسم مركزها باعتبارها قدمت تصريحا لصحيفة إسرائيلية، ليتضح أنّها تحدثت لشخص غربي كان قد تعرف عليها في بلدها، ولم تكن تعرف أنّه انتقل للعمل مع الصحيفة الإسرائيلية، وريما يكون إسرائيليا، وعندما اتصل بها لم تفهم أنها تعطي تصريحاً صحافيّا، خاصة أنّها باحثة مبتدئة لم يسبق أن اتصل الإعلام بها. من هنا ربما أصدق يسري حماد في قوله إنّه لم يعلم أنّه يقابل إذاعة إسرائيلية، ولكنه مطالب بجهد مضاعف ليشرح ويثبت أنّه لم يبد مرونة واضحة في الموقف من إسرائيل، ومن السياحة الإسرائيلية، كما تدّعي الإذاعة.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 23/12/2011

 

الارشيف