حماس وفتح وحسابات المصالح 

 

تعاملت حركة "حماس" مع الانتفاضة في سوريا بمسؤولية عالية وحنكة؛ لم تتدخل في الشأن الداخلي السوري، ولم تنحز إلى النظام في حربه على شعبه. أمّا مسألة الخروج من سوريا فهي تتعامل مع الأمر بهدوء مطلوب، وملف وجود حماس في سوريا فيه مغالطات ونقاط تحتاج لتوقف، أولها هل حماس موجودة حقا في سوريا؟. لا معنى لوجود قيادة سياسية دون شعب وتنظيم على الأرض، ووجود حماس الحقيقي في فلسطين نفسها، ودور الخارج لوجستي تكميلي، والموجودون في سوريا جزء من القيادة السياسية وكوادر الدعم اللوجستي، والحدود السورية لا تستخدم للإمداد، ما يعني أنّ عبارة "وجود حماس في سوريا" تفتقر للدقة. وليس صحيحاً أن الحركة تجد ملجأ آمنا في سوريا، فالاغتيالات ومحاولة الاغتيال التي استهدفت قيادات وكوادر "حماس" خارج سوريا توبعت واتضحت تفاصيلها، مثل قضية المبحوح في دبي، ومحاولة اغتيال خالد مشعل في عمّان، ولعبت القيادة الأردنية دورا في إطلاق موسى أبو مرزوق من الولايات المتحدة، وأحمد ياسين من سجون إسرائيل بينما الاغتيالات في سوريا حدثت وانتهت بصمت ونسيها الناس. 

أدارت "حماس" إذاً ملفها في سوريا بذكاء، واحترمت الشعب الفلسطيني وحركة تحرره.  ولكن ملّفات الشعب الفلسطيني المسكوت عنها تزداد بالمقابل. والحديث هنا عن "حماس" و"فتح" معا. وإذا كانت فتح تعمل منذ سنوات وفق حسابات السلطة والنظام والمصالح السياسية مع الحكومات والأنظمة منذ سنوات، فقد باتت حماس تعمل وفق المقاييس ذاتها. فقد مر إشهار خريطة الضفة والقطاع مثلا، باعتبارها خريطة فلسطين في دورة الألعاب العربية في قطر، دون تعليق يذكر، من حماس أو فتح أو منظمة التحرير. ولهذا معان محتملة منها الموافقة على ذلك، أو أنّ المصالح مع الحكومة القطرية الناشطة والفاعلة في مختلف الملفات الإقليمية، وصاحبة القدرة على تقديم الدعم المالي فرضت الصمت! فقيادة حماس مثلا على اتصال مع القيادة القطرية لتنسيق زيارة خالد مشعل للأردن، فهل يمكن انتقاد قطر علنا في مثل هذه الحالة؟ ولنا تخيل لو كانت منظمة التحرير هي من عرض الخريطة، فهل تصمت حماس؟!. أم كنا سنرى حملة كالتي جرت يوم تقرير "غولدستون"؟. ربما تصمت؛ فالحسابات اختلفت الآن.

بعض الملفات تبدو غائبة عن نشاط الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير. فمثلا، ما الذي قامت به المنظمة (الممثل الشرعي والوحيد)، وفتح وحماس بشأن الفلسطينيين في العراق، الذين تعرضوا للترهيب والطرد، بمن فيهم الذين تم إجلاؤهم إلى البرازيل وإيطاليا؟. سمعنا عن بعض التحركات ولكنا لا زلنا نشاهد كذلك مأساوية الوضع. وماذا فعلت حماس صاحبة العلاقات الجيدة مع إيران للتوسط مع حلفاء طهران العراقيين؟ وإذا كان البعض يسجل لحماس امتناعها عن تحريك المخيمات في سوريا دفاعا عن نظام الأسد، (رغم صعوبة تخيل وجود فصيل يستطيع فعل ذلك) فإنّ السؤال بالمقابل: ما الذي فعلته حماس – وغيرها - لحماية الفلسطينيين في المخيمات من النظام الحليف وللرد على الاتهامات التي وجهت لهم؟

ملف فلسطينيي 48 يشكو من غياب أي اهتمام حقيقي، أو برنامج عملي على الأرض من الطرفين.

وهناك ملفات أخرى من نوع استغناء وإبعاد دول لمئات الفلسطينيين المقيمين والعاملين لديها دون سبب واضح، ويجابه هذا بالصمت أو شبه الصمت، حفاظا على مصالح أخرى للفلسطينيين المقيمين هناك، وللحفاظ على حسن العلاقات مع الحكومات، وربما يكون هذا مبررا ولكن لا بد من حل لهؤلاء المبعدين.

الملفات أعلاه كلها وغيرها الكثير، عالقة أو مسكوت عنها. وربما يجري التذرع بالواقعيّة السياسيّة، والحقيقة أنّ الحركة الثوريّة، قادرة على إيجاد وسائل غير تقليدية لألا تتحول الواقعية إلى تفريط أو تقصير. الانقسام، وضعف الأداء، وعدم وضوح الرؤية، والحسابات الفصائلية، مصدر للضعف وفكرة المحاصصة بين الفصيلين والتنافس على كل شيئ، بما فيه الحلفاء الإقليميين والدوليين هي المسيطرة، بدلا من فكرة تعبئة مختلف طاقات الشعب وقدراته وإعادة هيكلة مؤسساته لتتمكن من التعبير باقتدار عن مصالحه وقيادته للخلاص.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 20/12/2011

 

الارشيف