تصريحات غينغريتش ومعنى "فلسطين"

 

وجدتُ نفسي قبل سنوات أكرّس جل وقتي المخصص للبحث للتعمق في تاريخ القدس الأقدم، وقد قادني هذا إلى تاريخ المنطقة والأديان.

ظننتُ بدايةً أنّ اللغة تُساندني، بدأتُ أقرأ عن الآلهة التي سبقت أو تزامنت مع اليهودية، فقرأتُ عن الإلهين بعل ويم وغيرهما، ممن ظهروا في أوغاريت (قرب اللاذقية) ودخلوا في عبادات بني إسرائيل، ولاحظت أنّ الباحثين الغريين لم يتوقفوا عند حقيقة أنّ "بعل" - إله الخصوبة والأمطار- يشير في المفهوم الشعبي إلى الأرض المروية من السماء، وهو الزوج أيضاً، وكلا الكلمتان ترتبطان بالخصوبة والحياة. وكذلك "يم" الذي هو إله الأنهار، والكلمة تعني نهر، وعزوت ذلك إلى جهلهم بالعربية. ولكن سرعان ما انقلب سلاح اللغة ضدي؛ فعندما تعمقتُ في تاريخ القدس القديم، بدأت تواجهني مشكلات أهمها أنّي لا أعرف المرادف العربي لأسماء الأماكن كما هي بالإنجليزية، وهذا مهم لأفهم جغرافيا روايات التوراة وعلم الآثار، فكان الحل الذهاب إلى القدس والتجوال في تلك الأماكن، وبما أنّ هذا غير متاح للأغلبية الساحقة من الدراسين العرب، بحثتُ عن حلول بديلة، فعثرتُ على كتب تُرجمت للعربية، فأمسكت النسخة الأصلية الإنجليزية وترجَمَتها، وللأسف وجدت أن أغلب المترجمين اكتفوا بوضع الأسماء الإنجليزية بأحرف عربية، فمثلا Bethany لكتبوها "بثني"، مع أنّ الاسم العربي هو "العيزرية"، وكذلك الأمر فيما يعرف بالـ Ophel hill في القدس، ذات الأهمية التاريخية القصوى، حيث أخبرني باحث مقيم في القدس أنّها "تل الضهور"، ولعل الصدمة أو الشعور بالعجز جعلاني أوقف البحث حينها.

مع تصريحات مرشح الرئاسة الأميركية نيوت جينجرتش أنّ الفلسطينيين شعب مُخترَع، بدا الموضوع إعادة القضية إلى نقطة الصفر، واتجه الحديث إلى من هم الفلسطينيون؟. أحد الأصدقاء اتصل يسألني هل حقا معنى كلمة Philistine بالإنجليزية شتيمة؟! والواقع أنّ المعاجم (من الإنجليزية وإليها) تشترك بالإشارة إلى تعريفين، أولهما: "السكّان الأصليون لفلستيا القديمة"، والثاني: "شخص تتحكم به الماديّة، ومعادٍ أو مدّعٍ للثقافة والقيم الفنيّة". وفي قاموس أطلس الحديث، من الانجليزية إلى العربية نجدها: "1): شخص من القدماء عاشوا في فلسطين القديمة (أرض كنعان) في القرن 12 ق.م، 2): الشخص الجاهل من الطبقة الوسطى من المجتمع، غير مبال بالقيم الثقافية والفنية ومعاد لها، 3): الشخص الذي تنقصه المعرفة في موضوع ما". وحين سألتُ أستاذا إنجليزيا علّم اللغة طويلا، قال لي: "كن حذرا في استخدام الكلمة فهي قد تنطوي على إساءة بالغة"!

عُدت للمراجع التاريخية، وكما كنتُ أعلم بالفعل فالفلسطينيون اسم استخدم في الحديث عن أهالي الساحل الفلسطيني في القرن 12 قبل الميلاد وما قبله وبعده، ووجدت مراجع تؤكد تمازجهم مع الكنعانيين وأنهم شيء واحد، وطبعا مناطق الضفة الغربية (الحالية) التي بحسب الرواية التوراتية كانت مكان دولة يهودية، وهي الرواية التي باتت المصادر العلمية الغربية تشك بها بازدياد كلما زادت الاكتشافات الأثرية، كان يسكنها الكنعانيون، وتشير مراجع إلى أنّ الفلسطينيين "كانوا أشد أعداء "إسرائيل". أمّا موضوع التخلف والثقافة فتشير الكتب إلى نصيبهم المتقدم من الثقافة؛ فأحد الكتاب الذي يدل اسمه على تحدّره من عائلة انجليزية يهودية مشهورة، هو سيمون سيباغ مونتفيوري، نشر هذا العام كتابا ضخما عنوانه "القدس: سيرة ذاتية"، تصدّر قائمة الاكثر مبيعا في بريطانيا، وحل ثانيا في "إسرائيل" جاء فيه إنّه "بفضل التوراة فإنّ كلمة Philistine دخلت اللغة لتصف الافتقار للثقافة" ويعلق الكاتب بين قوسين بقوله (رغم رقيّهم الثقافي)، ويقول إنّ اسم فلسطين جاء لاحقا من اسمهم. أي أن القواميس الإنجليزية والمترجمة التي تعرّف "فلسطين" بالمعنى الذي ينطوي على الإساءة والشتيمة تمارس تزييفاً للغة والتاريخ!

لا زلت عند قناعتي أن التاريخ والدين يُستغلان من قبل السياسيين لدعم وجهات نظرهم، فينتقون ما شاءوا منهما. ولكن كلما قرأت أكثر تبيّن لي أن مسألة الحق التاريخي يسهل كسبها عربياً، إذا ما أوليناها الجهد الكافي، فكلمة مثل Philistine تختزل وتوضّح الكثير من التشويه، وإذا اجتهدنا في حملة لتصحيح معناها مثلا، وهذا ممكن، فسيقوّض هذا الكثير من الروايات المشوِّهة للعرب. 

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 16/12/2011

 

الارشيف