تحدّي القلادة الفلسطينيّة

 

ربما تحسس كثيرون وكثيرات قلائدهم التي تحمل خريطة بلادهم، فلسطين، وهم يعيشون قصتين هذا الأسبوع؛ الأولى استخدام خريطة الضفة الغربية وقطاع غزة في افتتاح الدورة العربية للألعاب الرياضية في قطر، إشارة إلى موقع فلسطين. (إضافة إلى نشر خريطة أخرى خلافية للمغرب). والثانية هي تصريح مرشّح الرئاسة الأميركية نيوت جنجرتش بأنّ الفلسطينيين شعب مُختَرَع.

اتصل بي الصديق الكاتب مراد الشيشاني، ولفت نظري إلى جدل على موقع "تويتر" بين الكثير من الشباب والكتّاب في الغرب، يربطون بين تصريح جنجريتش، وكتاب بندكت أندرسون "مجتمعات متخيلة"، وهو الكتاب الذي أعود له بين حين وآخر في تحليل بعض الظواهر. كثيرون استهزءوا بجنجريتش، وقالوا عبارات من نوع "يجب إهداؤه نسخة من كتاب أندرسون". فريق آخر علّق بأنّ "جميعنا بلدان مخترعة والدليل في كتاب أندرسون، ولكن جنجريتش لا يعلم".

ما يريده جنجريتش هو تقويض الحق التاريخي الفلسطيني، ولكن في المقابل يعرف طلاب دراسات الهوية والقومية -وهو للأسف تخصص ما زال غير موجود في العالم العربي- أنّ "إسرائيل" والصهيونية هي أحد أهم النماذج أو الحالات التي تُدرس مثالا على الهوية أو القومية التي تُصنع صناعة. يدرس أندرسون في كتابه الشهير، غير المعرّب، الظاهرة القومية، ويروي كيف تطورت بقدر عالٍ من التلقائية وأنتجت الدولة - الأمة في الماضي، فيما باتت "القومية" تصنع صناعة لاحقا أكثر منها نبتاً طبيعيا. أحد الأفلام الصهيونية الذي أعيد بثه بموازاة تصريحات جنجريتش، يدعي أنّ الدولة الوحيدة المستقلة التي نشأت على أراضٍ فلسطينية كانت يهودية، قبل نحو 3 آلاف عام، وبالطبع تتناسى هذه الرواية - لو تم التسليم بها جدلا -  أن حدود هذه الدولة بحسب الرواية اليهودية كانت في منطقة "الضفة الغربية" لا الساحل. وتفنيد روايات مثل التي أتى بها جنجريتش أمر سهل، فعلى سبيل المثال تضم اسماء هيئات صهيونية، قبل العام 1948، اسم فلسطين مثل "المجلس القومي لليهود في فلسطين"، ويستخدم الأب الروحي للحركة الصهيونية "هرتزل" الاسم في كتابه "الدولة اليهودية".

ما حدث في قطر ورد الفعل تجاهه، يمكن فهمه في ضوء طروحات أندرسون أيضا؛ ففي شرحه لتكوّن الهوية القومية، يوضح أندرسون أهمية الخريطة، وقطع النقد، والمتحف، والصحافة، والفن، و...إلخ في صناعة الصورة العقلية (كيف تتخيل جماعة ما نفسها). سيدافع البعض عن خطوة الخريطة من الزاوية السياسية على اعتبار أنّها دعم لطلب الفلسطينيين الاعتراف بإعلانهم دولتهم، ولكن هذا الإعلان يتضمن أيضا اعترافا بإسرائيل، وهو اعتراف مجاني من الناحية السياسية، أُقحم على مناسبة تجمع العرب معاً.

مثلت الخريطة "لحظة الحقيقة" لدى الفلسطينيين، وقدّمت اختبارا لأحد معاني حل الدولتين. ومن هنا فمن غير المستبعد أن تستخدم إسرائيل الحادثة مرتين؛ الأولى لتعلن انتصارها بانتزاع اعتراف عربي بحدودها، حتى قبل أن تعلن هي هذه الحدود رسميّا، وثانيا لتستخدمها في الاستشهاد بردود فعل غاضبة على الخريطة وتشكك في قبول الفلسطينيين بحل الدولتين.

من الناحية الرسمية، لا يوجد ما يفرض على المنظمين أن يعرضوا خرائط الدول المشاركة، وبالتالي هذا مأزق لا مبرر له - إذا لم يكن مقصوداً-. العرب هم من سيتابع البطولة بالدرجة الأولى، بمن فيهم الفلسطينيون والمغاربة، ما يجعل فكرة توجيه رسالة تدعم حق الفلسطينيين في إعلان دولة تتراجع، ويحشد الرأي العام ضد الإعلان.

قضية فلسطين لا تُحل بإقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والجميع يعرف ويعترف بذلك، حتى المفاوضون الفلسطينيون أنفسهم؛ فحق اللاجئين من أهل البلاد الأصليين مثلا في العودة إلى ديارهم، وحصولهم على تعويض مقابل تهجيرهم ومنعهم من العودة، هو جزء لا يتجزأ من حل القضية. وأهل البلاد الأصليين الذين بقوا في ديارهم في الأراضي المحتلة عام 1948 لن تحل قضيتهم بدولة في الضفة والقطاع، وبالتالي تستفزهم جميعاً، الخريطة "المجتزأة"، والاعتراف المجاني المبكر، قبل حل كل ذلك، وتضعف حل الدولتين على نحو إضافي.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 13/12/2011

 

الارشيف