"الشبيّحة" والقرد

 

عندما كتبت مقال "شبيحة التجربة" قبل أشهر، عن تجربة إقامة سجن وهمي، تؤدي لاكتشاف أي قسوة قد يختزنها المرء، وكيف يتحول الإنسان الطيب إلى وحش كاسر إذا مُنح الفرصة  ليصبح سجّانا يمارس القمع. كنتُ أود حينها أن أبدأ المقال بقصة عشتها يوماً؛ إذ كنتُ أحضر الجمعية العمومية، لهيئة شبه حكومية في دولة ما، وكان أغلب المساهمين الجالسين يمثلون هيئات حكومية، ومعهم موظفون عاملون في هذه الهيئة. يومها هالني، وأنا الغريب عن المشهد، شَتمُ رئيس مجلس الإدارة موظفاً واتهامه بالسرقة، وساءني أمران، أولهما الموقف بحد ذاته وطريقة هذا المسؤول، والثاني عدم انتصار الموظف لكرامته حيث تلعثم ولم يرد على الاتهامات، وتمتم شخص بقربي مؤكدا براءة الموظف.

بعد أيام زرت مسؤولا في الهيئة، وسألته لماذا لا يُحاسَب الموظف إنْ كان لصاً؟ ولماذا صَمَت؟ لماذا لا ينسحب ويترك العمل على الأقل؟ فردّ علي بألاّ أتعجّل، وأنّ هذا الشخص يستحق ما تعرّض له! سألته لماذا؟ فروى قصة ملخصها أنّه هو (مُحدثي) تعرّض لسخط الرئيس في إحدى المرات، فنقله موظفا ليكون ذلك الموظف (المتهم) مسؤولا عنه، وقال إنّ الأخير عامله أبشع معاملة، فكلّفه مهاماً مُذِلّة، من نوع نقل ملفات من غرفة لأخرى وترتيبها، وإعادتها نهاية اليوم إلى مكانها الأصلي، وأن يبقى بعد ساعات العمل لفعل ذلك، أو أن يتعمد إحضاره للعمل في يوم إجازة رغم معرفته بوجود مناسبة عائلية مهمة لديه، مستغلا ظروفا صعبة تمنعه من ترك العمل. وكان كلما احتج أوضح له أنّه قد نُقل للعمل تحت "إمرته" مع تعليمات من المسؤول الكبير بأنّ "يؤدبه"، واستمرت المواقف حتى فاض بمحدثي فخلع نعاله وضرب الموظف.

لم يتسع مقال "شبيحة التجربة" سالف الذكر للقصة، ويومها علّق قارئ عزيز بإيراده قصة عن تجربة أجراها مجموعة من باحثي علم النفس، وضعوا خلالها خمسة قردة في  غرفة، مزودة بشراب وطعام كافٍ، وعُلّق في سقفها موز، كما تم تزويدها بسلم يسهل الوصول إليه، وبفتحات مياه جانبية، وحين حاولت القردة صعود السلّم للوصول إلى الموز، ضخت الفتحات الجانبية ماءً بارداً فجزعت القردة، وشيئاً فشيئا توقفت عن الاقتراب من السلم وصارت تضرب أي قرد يحاول الوصول إلى الموز، ثم أستبدل قردٌ جديد لا يعلم شيئا عن العقاب المائي بآخر قديم، وبمجرد محاولته الاقتراب من الموز سارعت القردة القديمة إلى منعه وضربه، ثم استبدلت القردة القديمة كلها تدريجيا، وأمست قردة القفص جميعها جديدة، لم تتعرض أبدا لرشّ الماء، ثم أدخل قرد سادس جديد، وبمجرد محاولته بلوغ الموز هاجمته القردة وضربته! رغم أنّ أيّا منها لم ينل عقاباً مائياً! كما لا يعرفون لماذا لا يجب أن يقتربوا من السلم والموز!

لاحظتُ كيف تعلّم محدثي في تلك الهيئة الدرس، وبات يمارس الإهانة والتخويف ضد الآخرين أيضاً، بل وينظّر للخوف، وطرق تفاديه بطأطأة الرأس لحين مضيّ العاصفة.

قال لي قائد سابق في الحركة الفلسطينية الأسيرة في السجون الصهيونية يوماً أنّه نُقل من معتقل لآخر، فأراد أن يُسند رأسه لجدار الزنزانة، فسارع المعتقلون الآخرون لإخباره بضرورة الابتعاد لأنّ السجانين يعاقبون من يستند إلى الجدار، فرفض، وحين أبصره أحد السجّانين، حدقّ فيه طويلا ومضى دون أن يفعل شيئا، وبعدها بدأ المعتقلون يستندون إلى الجدار.

تشترك هذه القصص في أنّ القمع والخوف يتحولان أحيانا إلى مبدأ وفضيلة، ويوجد من يروّج لهما، ويتعرض من يخرج عنهما إلى غضب الخائفين أنفسهم، الذين يصبحون "شبيّحة" و"بلطجية" خدمة لصاحب العصا، قبل أن يتعرضوا هم أنفسهم للبطش.

كما يبالغ الأهل في تربيتهم الأطفال أحيانا، فيلعبون دور القرد بتخويف أطفالهم ومنعهم من كل شيء، فتتطور عقلية "التابو" فنخاف كل شيء، أو نقوم به سرا.

لكن يبقى هناك من سيستند إلى الجدار، ومن سيقف في وجه المياه، والعصا، وسيواجه المخرز. ويوما تصل الأمور مداها، ويفقد المضطهدون آخر ما لديهم، أي الخوف، لأنّ الطغاة في مرحلة ما لن يتركوا لهم سوى الخوف! 

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 10/12/2011

 

الارشيف