هل تتحالف "السلفية" مع الشعب؟

 

لا يوجد علاقة إشكالية بين تيار سياسي والأنظمة والحكومات العربية، والغربية منها، كما هو شأن التيّار الإسلامي السلفي. فهي علاقة متأرجحة متقلبة، تنتقل من التحالف مع الحكومات وحتى مع واشنطن، إلى مهاجمتهما بعنف.

يميّز الباحثون بين سلفيتين: "دعوية" و"جهادية"؛ الأولى أسبق وتُعنى بقضايا اجتماعية وفرض نهج معين للسلوك الشخصي والمجتمعي الإسلامي، مع دور سياسي محدود، أمّا الثانية فتتضمن مواجهة الأنظمة والمجتمع بالعنف والإرهاب. والواقع أنّ الدور السياسي للسلفيّة الدّعوية، ليس محدودا، كما قد يبدو، لكنه يقوم على التفاهم مع الأنظمة، على نحو لا يخلو من شَبَه مع بعض أنواع الأنظمة العلمانية، من زاوية تقاسم الأدوار، أكثر منه الفصل بينها. فكما في بريطانيا للدولة دور في تعيين من يدير الكنيسة، والأخيرة تعطي للحكم والدولة هوية وشرعية مسيحية، وهذا يشبه وضع المؤسسة الدينية في دول عربية، كما في السعودية مثلا. بدءا من وجود ميزات وأدوار مؤسسية رسمية واضحة لشيوخ السلفية، مقابل إسباغ الشرعية على الحكم، وصولا لتحالف سياسي ضمني.

في مصر بدأ النوع الثاني يطغى على المشهد السياسي في السنوات الأخيرة، حيث مشايخ السلفية لهم منابر إعلامية بارزة، ووجود متنامٍ في المساجد، وكل ذلك مشفوع بتحالف مع النظام، قوامه مهاجمة خصوم النظام أكثر منه إعلان التأييد الصريح له. لذا هاجم سلفيّون تيارات المعارضة المختلفة بدءا من فاروق الباز، مرورا بمحمد البرادعي، وصولا إلى  حركة "كفاية" وانتهاءً بمواقفهم الرافضة  لثورة يناير في بداياتها. بل ومثّلت السلفية بديلا يواجه الإخوان المسلمين، في مصر، وفي دول خليجية في السنوات الأخيرة، بتشجيع حكومي. هذا رغم أن الأفكار السلفية موجودة لدى قطاعات إخوانية لا يُستهان بها. أضف إلى ذلك العداء التاريخي بين السلفية والصوفية. 

وحتى السلَفية الجهادية، تتقلب في أدوارها، بدءا من الالتقاء مع أجهزة المخابرات الأميريكية والإقليمية، في الحقبة السوفياتية وسنوات تلتها، قبل الانقلاب عليها.

لم تحاول السلّفية بأنواعها التحوّل إلى حركة جماهيرية مدنيّة سياسيّة حقا، فالدّعوية كانت أقرب للتعاون مع الحكومات طالما سُمح لها بهامش من التعامل مع الجمهور في نطاق العبادات والأخلاق العامة، عن طريق هيئات أمر بالمعروف ونهي عن المنكر تمارس عملها على نحو أشبه بالشرطة الدينية، أو بواسطة الدعوة في المساجد، والإعلام، وجمعيات الإحسان. أمّا السلفيّة العنيفة فاعتمدت على مجموعات محدودة من الأشخاص لممارسة القوة والإرهاب. وقدّم نموذج الحكم السلفي في أفغانستان زمن "طالبان"، ومحاولات الحكم في المناطق الحدودية الباكستانية – الأفغانية، وفي جيوب في العراق، نماذج من الاستعداد لممارسة الحكم الدموي، على أنّ مصدر السلطة في هذه الحالات كان قوة السلاح والعنف. أمّا في زمن الثورات العربية فإنّ مصدر السلطة هو الشعب.

إذا استثنيا التجربة الكويتية المعقدة المختلطة بالقبلية والطائفية، فإنّ الديمقراطية لعبة جديدة للسلفيين، ونجدهم يتأرجحون في الوقت الراهن بين ممارسة العنف، كما في تونس، في الجامعات - فيما قد يضعهم قريبا في مواجهة مع باقي المجتمع، بما فيه ربما الإخوان (حزب النهضة)، كما اصطدموا سابقا مع "حماس" في غزة. والمواقف الملتبسة المغلفة بحذر كما في مصر، في إدراكٍ عملي لكون الشعب ولأول مرة هو مصدر القوة والسلطة، يمنحها عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي ربما يجب استبدال التحالف معه وربما مهادنته بالأنظمة السابقة والتفاهمات معها.

هل يستمر السلفيون بالسعي لتفادي المواجهة مع الشعب، وتوسعة حضورهم داخله بطرق تؤمن بالانفتاح وتَفهَم التعددية، أم سيتحولون للتشدد والمغالاة؟ وهل سيستمر الإخوان في المواقف المعتدلة، ويسحبون السلف باتجاههم؟ أم سيذهبون إلى حيث السلفيين؟ أم سيحدث استقطاب؟. قد تتبدى الإجابات قريبا.

إذا حاولت أي قوة سياسية تجاوز الديمقراطية، وعدم التسليم باحتمالات صعودها وهبوطها في صناديق الاقتراع، فإنّ المؤشرات أنّ الثورات المقبلة قد تكون ضدها. أي ضد معارضة الأمس، وضد قوى سياسية استفادت من الثورة دون أن تكون قد بادرت إليها أو أيّدتها. وإذا كان السلفيون يتنقلون بين مهادنة الأنظمة ومعاداتها، فهل يصلح هذا مع الشعوب؟ 

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ:  06/12/2011

 

الارشيف