"فِرق" العاشقين

 

في علم الاجتماع قاعدة تصف تطوّر العلاقات بين الأشخاص، حيث تبدأ العلاقة من الصفر ثم تتقدم إيجابيا، نحو مزيد من التقارب أو تتراجع في الاتجاه السلبي والنفور وربما العداء، وتقدّم العلاقة أو تراجعها، وتغير اتجاهها من الإيجابي إلى السلبي أو العكس، يرتبط بعدد لا يحصى من العوامل، بدءا من الشكل وطريقة الكلام والتصرفات والمواقف المختلفة.

تذكّرت هذه القاعدة وأنا في طريقي إلى مسرح الجمعية الجغرافية الملكية في العاصمة البريطانية، لحضور حفل "العاشقين/ لندن". كنتُ أخاطب نفسي بأنّ الموضوعية تقتضي عدم تبني موقف سلبي مسبق من الفرقة. ولكن هذا كان صعبا لأنّي أعرف الفرقة الأخرى التي تسمى "العاشقين"، والتي أطلقت قبل نحو عامين، وأحيت عشرات الحفلات الناجحة والقوية التي استقطبت جمهورا عريضاً، باعتبارها إحياءً للفرقة التي تأسست بذات الاسم نهاية السبعينيات. أضف إلى ذلك أني لم أستسغ فكرة إضافة "لندن" لاسم الفرقة الأشهر في تاريخ الثورة الفلسطينية، كما أني كنتُ قد استمعت للأغاني الجديدة للفرقة ولم أجدها بمستوى القديمة، وتابعت جزءا من الجدل حول من يمثل العاشقين الأصلية؟ هل هي الفرقة بمغنيها الأساسي (حسين المنذر) وبعض وجوهها الأساسية مثل عازف المجوز خالد الهباش؟ أم الفرقة التي حصلت مؤخرا (العاشقين/ لندن) على ألحان الملحن الأساسي والمؤسس في الفرقة (حسين نازك)؟ مدركا أنّ هناك خلافاً قديماً في الفرقة له وجه وشق سياسي، وآخر شخصي، خصوصا بين المنذر ونازك. 

تقف الفرقة على المسرح، ويمضي اتجاهي نحو مزيد من السلبيّة، فإذا ما سألنا أي مشاهد أن يقارن بين الفرقتين؛ الأولى بوجوهها المعروفة وفرقة الدبكة، وفرقة لندن، فسيحسم للوهلة الأولى على الأقل أنّ الأخيرة بوجوهها الجديدة، وافتقارها لفرقة الدبكة، ليست هي العاشقين.

تبدأ الفرقة بالغناء، فتستشعر وأنت تصغي جمال الألحان الجديدة، وتجد بعضها مبتكرا حد مزج الراب والطرب على نحو أخّاذ، وأصوات المغنيين والمغنيات متنوعة وجميلة وواعدة، رغم بعض الارتباك في الأداء. على أنّ تحقيق هذه الأغنيات لوقع عميق مثل تلك القديمة، ومدى نجاح الفرقة الأخرى في التجديد وتجاوز الأغاني القديمة، أمر تحسمه ذائفة الجمهور. بعض أغنيات "لندن" الجديدة، تطور بوضوح، فالأغاني على المسرح أقوى منها في التسجيلات في الاستديو والتي أصبحت متاحة مؤخرا للمستمعين، ووجدت الاتجاه الإيجابي لموقفي من الفرقة يتعمّق، وأتفاءل بالمستقبل.

فرقة لندن تستخدم آلات غربية وشرقية كهربائية، ولكن لم لا؟ ما الذي يمنع من تطوير الشكل والأداء؟ وما الذي يمنع من وجود فرقة تخاطب الجمهور الغربي أو العربي الذي نشأ في الغرب، وتصبح تسمية "لندن" مبررة. 

كان لدي تفكير منذ البداية بأنّ إعادة إطلاق اسم "العاشقين" على فرقة يعاد تكوينها ليس بالضرورة الفكرة الأصوب، وكنتُ أرى أنّ فرقا ناجحة يمكن أن تتشكل باسم جديد، لأنّ هذا من شأنه أن يبرهن على قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على التجديد وطرح بدائل مناسبة تتلاءم مع تغير الأيّام والسياقات، ولتجاوز أي خلافات قانونية. وفرقة لندن بغض النظر عن الشكل، تقدّم شيئا جميلا ومهما واعداً، وهم يؤكدون أنّهم شكلوا فرقتهم قبل الفرقة الأخرى، والقائمون على الفرقتين هم شباب تربوا على أغاني "العاشقين" القديمة، ويريدون استعادة تلك اللحظة الفلسطينية الثوريّة. تضم الفرقتان فنانين عرب وفلسطينيين، ويمكنهما أن تخدما قضية فلسطين، بل ويمكنهما تقاسم الأدوار والمساحات الجغرافية.

لكن هناك الآن صراعا على الاسم، يأخذ منحى سلبيا، فإذا كان التنافس يمكن أن يكون صحيّا، فإنّ الصراع غالبا ليس كذلك، خصوصا إذا تطور لخلافات يعرقل فيها طرف تقدم طرف آخر، وهناك الآن الكثير من الجدل، وبيانات من فرقة ضد أخرى. كما التبس الأمر على شرائح من الجمهور، بمن فيهم هيئات تستضيف الفرقتين، دون أن تعرف الفرقة التي تستضيفها حقاً!. 

يؤمَل من القائمين على الفرقتين، والقادرين على التوسط بينهما العمل لحل اللبس أو التعايش بأقل أضرار ممكنة، كأن تكون مؤسسة بفرعين، أو تنازل إحداهما عن الاسم. خصوصا أن تقديم شيء جديد بمستوى القديم يعتبر تحديا أمام الطرفين.  

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 02/12/2011

 

الارشيف