الثورة الجديدة... من القيادة إلى التشبيك

 

إحدى سمات الثورات العربية والعالمية التي حدثت منذ نهاية العام الماضي، أنّها بدون قيادة، وبدون برنامج واضح، وبدون بنية تنظيمية متماسكة، وهذا ما يدفع لتردد الأكاديميين في تسميتها بالثورة.

كان الافتقار إلى القيادة في الماضي يعني صعوبة اتخاذ القرار، وصعوبة حسم الخيارات، ولكنّه يعني كذلك صعوبة توجيه ضربة للحراك باستهداف القيادة، أما صناعة القرار فلها الآن وسائل مختلفة.

في العصر الجديد بدل التنظيم، والحزب، والحركة، والجماعة، هناك ما يسمى "الشبكة"، وبدل عملية القيادة هناك عملية التشبيك، وبدل القائد هناك ما يسمى بالـ "محولجي". هذه الأفكار جميعها يطرحها العالم الاسباني مانويل كاستيلس، في محاضرات وكتب قدّمها أو صدرت مؤخرا. والمحولجي كلمة من العامية المصرية، أمّا الكلمة التي يستخدمها كاستيلس فهي switcher، وهو الذي يقوم بتوجيه السكة. وهو يقول إنّ الحركة المجتمعية باتت تتشكل من شبكات، تبني نوعاً من القوة، أو القوة المضادة لشبكة ما، بمعنى أن هناك الآن قطاعات اقتصادية، وإعلامية، وسياسية، و...، تمارس نشاطات دون هيكلية واضحة.

كاستيلس واضح بأنّ الإنترنت وفيس بوك والتويتر، ليست سببا فيما يجري، ولكنها أداة له؛ فهي ليست الشبكة، بل أداة التشبيك. ولا زالت الدولة والمنظمات التقليدية موجودة وهي القوة الأولى، ولكن عملية تشكيل المعنى في العقل، الذي هو أهم أنواع القوة، اختلف؛ فالإعلام الجماهيري التقليدي يوجهه أفراد أو قلة إلى كثيرين، والإعلام الجديد (الإنترنت) هو "إعلام الكثيرين إلى الكثيرين"، لذا فعملية تشكيل المعنى اختلفت.

ويمكنني أن أستعير وأضيف لما قاله كاستيلس، شيئاً من حديث الألماني يورغن هبرماس، الذي قال يوماً أنّ الإعلام يشكل ما يسمى "المجال العام" (public sphere)، حيث في الديمقراطيات يستخدم الناس الإعلام للنقاش وتبادل الآراء وصولا للقناعات وإيجاد تيار يصنع القرار، وتقدّم وسائل الاتصال الحديثة جعل هذا ممكناً أكثر، حتى في بلاد الدكتاتورية.

بالقياس على حديث كاستيلس فإنّ الخطوة الأولى في الحراك الجماهيري هي تكوّن أو تكوين الشبكات؛ بمعنى أنها قد تتشكل بتلقائية، أو بمبادرات، ولكن نمط الاتصال والتواصل، وتشظي الشبكات وسيولتها يجعل فكرة القيادة مختلفة؛ فالإمام الخميني مثلاً فجّر الثورة في الماضي بإرسال أشرطة الكاسيت للشعب الإيراني، وهذه وسيلة يتم الاتصال فيها باتجاه واحد وهنا "الإمام لا يُناقَش"، وهذا ما تطور لنظرية الولي الفقيه، وفي سياقات أخرى كان القائد يلقي خطابا، أو يرسل بيانا سريا، فأصبح لدينا "القائد الملهم"، و"القائد الأعلى". أما وائل غنيم وإسراء عبد الفتاح وآخرين فيقولون ما لديهم في سطرين، ويتلقون عشرين رداً في دقيقتين، فطبيعي أننا لسنا أمام قيادة متفردة، وأننا أمام صناعة قرار من نوع جديد؛ "الناشط" هو من يفعّل الشبكة، والناشطون يصنعون لها نشاطات ميدانية، وناشطون يُشبّكون بين الشبكات، وينسقون بينها وتكبر الشبكة، وتشكل قوة، وقوة مضادة.

فلسطينيا، منذ بداية التسعينيات، والفصائل في تراجع، ومنذ سنوات، والأجيال الفلسطينية الجديدة، وحتى الناشطون القدامى في الحركات والفصائل، يعملون وينشطون في مجالات مختلفة، اجتماعية، وجماهيرية، تطورت لأنواع من المقاومة السياسية والجماهيرية والميدانية القوية. القول إن فلسطين تختلف، وواقع الاحتلال مختلف، وأنّه لا بد من قيادة جامعة، أمر يحتاج لمراجعة؛  هناك الآن حاجة لمن يبني الشبكات، ومن يشبّك بينها، ولمزيد ممن يرسل رسالة ليحدد الموعد المقبل، على دوار المنارة في رام الله، ودوار نابلس، وشارع الشهدا في الخليل، ثم يعلن عن مسيرة بعشرات الآلاف ضد مستوطنة، ويعلن عن مسيرة عودة مليونية. والواقع أنّ النهج الجديد في حالة الفلسطينيين أسهل في بعض النواحي، فإذا كان يؤخذ على الثوار الجدد أحيانا معرفتهم ما لا يريديون أكثر مما يريدون، فأهم ما لدى الفلسطينيين هو معرفتهم ما لا يريديون (الاحتلال)، وما يريدون (العودة والحرية). أمّا القيادة الكاريزمية فقد تنشأ في مرحلة لاحقة، وقد لا تنشأ لأنهّ ربما سيكون هناك قادة كثر يعملون بصمت، أمّا في المرحلة الراهنة فالمطلوب "محولجيين" يشبّكون بين الشبكات المتزايدة، بما يحولها لشبكة كبيرة ذات نشاطات متآزرة بأهداف أكبر وأوضح.

 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ: 29/11/2011

 

الارشيف