رهان إيران على الحرب "اللامتماثلة"

 

تراهن إيران بشكل متزايد على مبدأ الحرب "اللامتماثلة"، في استعداداتها لمواجهة حرب أميركية محتملة، ضدها، وهذا الرهان منطقي من زاوية محددة، لكنه مدمر في المدى الطويل. والحرب اللامتماثلة، هي حرب بين قوتين، إحداهما تمتلك قدرات عسكرية ثقيلة ضخمة، وأخرى لا تمتلكها، لذا تعتمد على حرب العصابات، وعلى عمليّات الاستنزاف والتخريب. وقد دعا وزير الداخلية الإيراني مصطفى بور محمدي، يوم 27 نوفمبر الفائت، إلى تطوير نظام "الدفاع السلبي"، الذي يرتكز برأيه على "القوى الروحية" التي "لا تحتاج لاستخدام المعدات العسكرية الثقيلة". وعلاوة على امتدادات إيران السياسية ووجود جماعات مؤيدة لها، على خلفية مذهبية وأيديولوجية، في دول مختلفة بالمنطقة، قادرة على الاشتراك بمثل هذه الحرب، تتزايد المؤشرات على تبني إيران لهذه الحرب عقيدة عسكرية، في ظل العجز عن تطوير قواتها المسلحة النظامية، بسبب العزلة الدولية، بما يمكنها مثلاً من مقارعة سلاحي الجو والبحرية الأميركيين. ولاحظ مراقبون أنّ مناورات البحريّة الإيرانية باتت تركّز على مبدأ "حرب عصابات بحرية"، بحسب ما جاء في مقال لعلي أصغر كاظمي، الأستاذ في جامعة "آزاد" الإسلامية في طهران، إذ أنّ طبيعة مضيق هرمز البحري، تغري بهذا النوع من العمليات. ويأتي تعيين محمد علي جعفري، مؤخراً رئيساً للحرس الجمهوري، تجسيداً لهذا التوجه، فجعفري هو أحد رواد الحرب اللامتماثلة خلال الحرب العراقية الإيرانية، وقد أسس في الحرس الجمهوري قسماً خاصاً لتطوير هذا النوع من الحرب، وهو مهندس تبنى البحرية الإيرانية لهذا المذهب.

والحرب اللامتماثلة، تحقق وظيفتين لإيران؛ الأولى دفاعية في حالة حرب تقليدية أميركية بريّة، والثانية للردع ضد ضربات أميركية جوية محدودة؛ بمعنى أنّ إيران تلوح بالقيام بعمليات انتقامية ضد القوات والمصالح الأميركية في المنطقة، حتى داخل الدول العربية المحيطة، بهدف دفع واشنطن للتفكير مراراً قبل أي عمل عسكري ضدها. لكن ما لا يبدو أنّ طهران تريد الاعتراف به، هو أنّ عامل الوقت ليس لصالحها. فالحصار الحالي ضد إيران، حتى لو أنكر النظام الإيراني ذلك، يسبب أزمات كبرى؛ منها أنّ الشركات العالمية مثلاً، ترفض الاستثمار في استكشاف وصيانة حقول النفط والغاز الإيرانية، ما يجعل قطاع النفط الإيراني يعاني تراجعاً مستمراً في صادراته وتتداعى حقوله النفطية التي تحتاج للصيانة، لدرجة أنّ كاظم وزيري هامانة، وزير النفط الإيراني الذي استقال مؤخراً، توقع أن تواجه صناعة الطاقة الإيرانية كارثة في السنوات المقبلة. وربما يكون الفشل الإيراني التنموي المتمثل في أوجه عديدة، منها وجود ما لا يقل عن 4 ملايين مدمن مخدرات (حسب التقديرات الرسمية الإيرانية)، مع أعلى نسبة إدمان على الأفيون بالعالم (بحسب تقارير الأمم المتحدة)، ونسبة فقر 13% من السكان، لا يرتبط حصراً ولم يتسبب به الحصار، إلا أنّ الخروج منه في ظل الحصار يظل أكثر صعوبة. وكثير من الاتفاقيات التي تبرمها إيران، ويفاخر بها النظام مع شركات عالمية للطاقة، مشروطة بزوال الحصار، ما يجعلها حالياً بلا قيمة. 

إيران تعيش بالفعل ستاراً حديدياً، وحتى إن وجدت خلايا وجماعات تتبعها في مناطق ما، فإنّ فشلها الاقتصادي والتنموي، سيجعل وضعها وأحلامها بتصدير الثورة لا تتعدى الوهم الذي كان يعيشه الاتحاد السوفييتي الذي كان يعيش وضعاً أقوى بكثير مما تعيشه إيران حالياً.

منظرو السياسة الإيرانية، يدّعون أنّ هذا التكتيك العسكري يرافقه تحرك دبلوماسي لحشد الحلفاء، وتعزيز العلاقات الاقتصادية الخارجية، ولإقناع دول المنطقة بمناوأة الولايات المتحدة. لكن هذا المنطق يتجاهل حقائق أنّ دول الجوار والعالم لديها مطالب ومخاوف من سياسات إيران، ومن سياسات تصدير الثورة التي عاد المسؤولون الإيرانيون للحديث عنها علناً في الآونة الأخيرة، وهناك مخاوف من عدم شفافية البرنامج النووي الإيراني، وتبرم من الخطاب العدائي في الإعلام وفي أوساط رسمية إيرانية. وهذه الدول لن تخالف قرارات العقوبات التي تصدر من الأمم المتحدة. وبالتالي فإنّ الرهان على الحرب اللامتماثلة، يشكل حلاً لجزء بسيط من أزمة يصر المسؤولون الإيرانيون على إنكار وجودها.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 12/6/2007


Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0