الخلية الفلسطينية الأولى

 

لعل أحد أخطر الانعكاسات التي أصابت الشخصية الفلسطينية نتيجة ممارسات الاحتلال من جهة، وحالات الترهل وتعطيل المؤسسات الوطنية الفلسطينية والفساد والانقسام والاحتراب بين فصائل العمل الفلسطيني، والمعاناة على صعد مختلفة داخل فلسطين وخارجها، هو وجود حالة من عدم الثقة تطغى على التضحيات والإنجازات العملاقة التي حققها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية. وهناك حالة تشكك وتردد أمام أي مبادرة لتنظيم الجهد الفلسطيني، وهو أمر يتضح في مناطق الشتات الفلسطيني أكثر من غيره. ونتيجة لذلك هناك أعداد هائلة من الكوادر والطاقات الفلسطينية في مجالات مختلفة بدءاً من الميادين الأكاديمية، والعلوم التطبيقية مثل الطب والهندسة، والعلوم الإنسانية، وصولاً لرجال الأعمال والكُتّاب والفنانين ممن يتوقون إلى الانخراط في جهد وطني عام في سبيل قضيتهم، ولمعالجة شؤونهم الحياتية ومد يد المساعدة للتجمعات الفلسطينية الأكثر معاناة، في فلسطين ومخيمات لبنان، وغيرها، كما يحتاجون لهيئات ودولة ترعى مصالحهم وتدافع عن حقوقهم في أماكن وجودهم.

وفي السنوات الأخيرة قامت عدة مؤسسات فلسطينية دولية مختلفة، بعيداً عن الصيغة الفصائليّة التقليديّة، وبعض هذه المؤسسات له أهداف سياسية محددة، مثل حق اللاجئين بالعودة، أو غير ذلك، وبعضها يتبنى أهدافاً تعليمية واجتماعية وتربوية وبحثيّة. ورغم صدق توجه بعض هذه المؤسسات، وقدرات ونشاط القائمين عليها، إلا أنّ هناك عادة شكاً سياسياً وحتى شكاً في الدوافع والمصالح الخاصة خلف هذه المؤسسات، للدرجة التي تعيق عمل هذه المؤسسات، وفضلاً عن أزمة الثقة الشعبية تعاني هذه المؤسسات من عقبات سياسية وأمنية في عدد من الدول المضيفة، كما يبرز تخوف البعض أنّها قد قامت لمنازعة منظمة التحرير الفلسطينية التمثيل الفلسطيني.

ربما تكون خطوة أولى مقترحة لتجاوز هذا الواقع، ولتجاوز حالة التشرذم الراهنة، هي التراجع عن الطابعين الدولي والنخبوي. بمعنى عدم التركيز على مؤسسات عابرة للمنافي (أي لأماكن الشتات الفلسطيني)، والتركيز على العمل ضمن مستوى مجتمع كل منفى على حدة، والنزول من مستوى الشعارات والخلافات السياسيّة والفصائليّة، إلى مستوى الهموم اليومية والحياتية، دون أن يعني هذا تقسيم المجتمعات الفلسطينية، أو التراجع عن البعد الوطني العام للعمل الفلسطيني، الذي يجب أنّ يكون في الإطار الرسمي ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومؤسساتها الوطنية الجامعة والمتخصصة، التي يأمل الجميع أن تخرج من مأزق الإصلاح الذي تحتاجه سريعاً. لكن أحد التحديات المصيريّة التي يواجهها الفلسطينيون حالياً، هو "الخلية الفلسطينية الأولى"، أي الإنسان الفلسطيني، الذي يجب أن يكون الخط الأحمر الأول، والذي يحتاج من نشطاء العمل الفلسطيني في التجمعات المختلفة تعزيز نشاطات شبكات الأمان الاجتماعي. ومن المآسي الفلسطينية المتكررة سنويّاً، تحقيق فلسطينيين الدرجات الأعلى في امتحانات الثانوية العامة في بعض الدول، ولكن تعوقهم عقبات، أبرزها المالية، من الالتحاق في الجامعة والتخصص الذي يرغبون. عندما يكون هناك تكافل اجتماعي، ورعاية صحية، وتعليمية، تتحقق الرابطة الاجتماعية، التي تحرّك البشر للدفاع عن وجودهم ورابطتهم ووطنهم وهويتهم. ويصبح النشطاء القائمون على هذا العمل موضع ثقة، لأنّهم يعطون ولا يأخذون، ولأنّهم يتمتعون بالشفافية فيما يفعلون بوضوح وعلانية ولأغراض مجتمعيّة، مصيرية وطنيّاً، تحت مظلة وبدعم الدول المضيفة، وبالتنسيق ودعم ومباركة السفارات الفلسطينية أينما أمكن ذلك، باعتبارهم معونة للقيام بالعبء الهائل الاجتماعي الذي يفترض أن تقوم به هذه السفارات، وبصيانة الإنسان الفلسطيني اجتماعياً وعلميّاً وصحيّاً وثقافيّاً يصبح أقدر أيضاً على الممارسة السياسية الفاعلة والعقلانية، وعلى إيجاد القنوات لذلك.

 لذا فإن صياغة وإحياء المؤسسات الاجتماعية ضمانة أساسية للحفاظ على الإنسان الفلسطيني، وستكون عملية "التشبيك" اللاحقة بين هذه المؤسسات والتجمعات، أسهل كثيراً، خاصة إذا أخذت بعداً تدريجياً اجتماعياً أيضاً، قائماً على مد المجتمعات الأقل معاناة يد المساعدة للمجتمعات الأكثر معاناة في الداخل الفلسطيني وفي المخيمات. بل ربما تصبح مثل هذه المؤسسة الاجتماعية، مدخلاً جديداً وحلاً للغز آلية إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، أو حتى دعم الدولة الفلسطينية في رعاية أبنائها في الخارج، إذا ما افترضنا جدلاً أنّها ستقوم قريباً.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 11/22/2007


Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0