فلسطين من ثقب الباب


شاهدت مؤخراً وضمن فعاليات مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، في أبوظبي، مجموعة أفلام فلسطينية لمجموعة مخرجات فلسطينيات، ووجدت نفسي عاجزاً عن الإعجاب بها -من الناحية الفنيّة على الأقل- فبعض الأفلام بدت بمثابة تجميع لمشاهد من نشرات أخبار، مع إضافة مقابلات ومشاهد شخصية للمخرجة أو لأصدقاء وأشخاص عاديين لإعطاء الفيلم صبغة درامية توثيقية إنسانية. هذا لا يعني أنّ اللوم يوجه بالضرورة لمن عمل على الفيلم، فالأفلام تصور في ظروف غير طبيعية، عكسها أن بعض المشاهد، التي لم تأتِ من نشرات الأخبار، تم تصويرها من فتحة الشباك أثناء عمليات الاجتياح ومنع التجول في رام الله.

في أحد الأفلام يتحدث أشخاص عمّا شعروا به أثناء فرض حظر التجول لأكثر من أسبوع، فيقول أحدهم إنّه لا يشعر بشيء، وإنّ أحاسيسه تبلدت وفقد القدرة على الشعور، ولكن شخص آخر يعود ويقول ولكننا "نرفض الموت" وسنبقى. هذا الحوار ذكرني بحوار عشته عام 2005، في زيارة للضفة الغربية، فقد استضافني صديق يحمل الهوية المقدسية التي تتيح له، من الناحية النظرية، التجول بحرية أكبر من أبناء الضفة الغربية، والتقاني في منزله في قرية العيزرية قرب القدس، وجلسنا على شرفة المنزل المطلة على وادي الأردن والمستوطنات الإسرائيلية الممتدة هناك. وكان هذا الصديق والناشط الفلسطيني يتولى عادة مساعدتي في السابق، بالتجول في سيارته في الضفة الغربية والقدس وداخل (فلسطين 1948). إحدى الجمل التي قالها بنوع من الاستسلام والأسى الغريبين، "لم يعد ممكناً الخروج إلى أي مكان"، فالخروج من منطقة صغيرة كقرية العيزرية إلى رام الله القريبة يعني المرور بعدة حواجز للجيش والدخول في أقفاص حديدية كبيرة والتفتيش على أيدي جنديات وجنود إسرائيليين، والانتقال بالسيارة متعذر كلياً.

 عقلية الجدار والحصار، تسحق الفلسطينيين، وما يجري هو عملية تدمير مبرمجة للروح والعقل، فلا الفنان ولا المناضل قادرين على مجاراة ما يحصل. قمت في إحدى زياراتي بتصوير فيلم لي شخصياً بالمشي بمحاذاة جدار الفصل، وكان يرافقني في كل منطقة صديق أو قريب، يريني أموراً منها كيف حاولوا تخطي الجدار بما في ذلك الدخول عبر قنوات مجاري المياه والصرف الصحي تحت الجدار، للانتقال للقدس للعمل، وكيف عاد "اليهود" وسدُّوا المجاري بأقفاص، وما صعقني أنّ أحداً ممن قابلت لم يتحدث عن الجدار بصفته قضية سياسية بل كان التركيز على البعد المعيشي للجدار على الحياة اليومية.

المشكلة أنّ عقلية ونفسية السجن هذه تحطم الكثير فلسطينياً، لا على مستوى التعليم والصحة والتنمية فحسب، ولكن حتى على مستوى التفكير والسلوك الشخصيين، ويؤدي لظواهر عديدة يصعب تلخيصها هنا. في الأثناء فإنّ قيادات الفصائل من "فتح" حتى "حماس"، مشغولة بصراعاتها. بل إنّه على صعيد حركة "فتح" تحديداً، بصفتها الفصيل الأكبر جماهيرية، فإنّها ساهمت في تكريس المناطقية والانعزال منذ ما قبل الحصار، من خلال تحول كل منطقة فلسطينية لمنطقة عمل تتبع قيادات محلية متنافسة ومعزولة عن المناطق الأخرى، وحتى أكثر القيادات الفلسطينية قوة الآن -إذا ما استثنينا بعض الرسميين وحالات محدودة جدا أخرى- يصعب القول إنّ هناك قيادات على المستوى الوطني، فكل منطقة لها "أميرها"، وقادة نابلس لا شي ء لهم في رام الله، و"أمراء" غزة لا شيء لهم في الخليل.

وهذا يتبعه أو يأتي في سياق غياب البرنامج الوطني العام الذي يجمع الطاقات الفلسطينية ضمن إطار موسع سواء بوضع برامج سياسية ونضالية يومية موحدة تتخطى الحواجز المادية والمعنوية. بل إنّ صراعات الفصائل وحالة العبثية الراهنة تعمق حالة الانكفاء على الذات والإحباط، وتفرز ظواهر المسلحين والقادة والوجهاء المحليين المنكفئين على صراعاتهم الضيقة والخاصة.

غياب أو عجز فصائل العمل الوطني عن وضع برامج وطنية عامة لتجاوز حالة التقسيم والحصار المستمرة، يؤكد أنّ هؤلاء يرون فلسطين من ثقب الباب، حيث لا يرون سوى صراعات الفصائل والمصالح والطموحات الخاصة لـ"القادة" والفصائل، بينما يتم سحق الإنسان الفلسطيني بالمعنى الحرفي للكلمة.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 11/8/2007


Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0