وساوس العولمة...و الاستثمارات الخليجية


لم يعد يمضي شهر دون أن تتصدر الصحف العالمية، أو على الأقل صفحاتها الاقتصادية، أنباء صفقات لشركات عربية خليجية، لشراء شركات غربية كبرى، وبات روتينياً بروز معارضة وممانعة من جهات مختلفة في الغرب، وتبدو العقبات التي تواجه الاستثمارات الخليجية عموماً، والإماراتية خصوصاً، أحد أفضل التعابير عن النكوص في عولمة التجارة والاستثمار، وعلى تراجع في الدول الكبرى عن تحرير التجارة الدولية. وعلى سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى العقبات في الولايات المتحدة عقب إبرام صفقة شراء شركة دبي العالمية، لشركة "بي آند أو" البريطانية، والجدل الذي أثاره البعض في فرنسا والولايات المتحدة، حول اتفاقيات بناء مجموعة المتاحف الكبرى، على جزيرة السعديات، في أبوظبي، وخصوصاً حول دور متحفي اللوفر الفرنسي، وجوجنهام الأميركي، في المشروع. وهناك في الأسابيع الفائتة، محاولة جهات في السويد عرقلة محاولات "بورصة دبي العالمية" شراء بورصة "أو أم إكس"، ومحاولات تعطيل شراء شركة مطار "أوكلاند" في نيوزلندا، من قبل شركة "دبي لصناعات الطيران". وهناك محاولات شركات عرقلة توسع شركات الطيران الإماراتية في تسيير رحلات لوجهات جديدة داخل ألمانيا. وبعيداً عن الملابسات الخاصة بكل حالة من الحالات، يمكن الإشارة للنقاط التالية المشتركة في أغلب حالات عرقلة الاستثمارات:

1- تعبّر هذه الصفقات العربية، وصفقات أخرى غير عربية شبيهة، بنظر كثيرين، عن تحول في نهج الدول النفطية أو الدول ذات الفائض التجاري، فهي تتحول من إيداع الفوائض في البنوك، أو استثمارها في سوق الأسهم، إلى استثمارها في شركات لها موجودات محددة وواعدة. وينقل محرر صفحات الأعمال، في "الفايننشال تايمز"، "جون ويليام"، بأنّ هذا التوجه يؤدي إلى ردة فعل من الحكومات الغربية التي لا تبدو مرتاحة له، وينقل "ويليام" عن خبراء ماليين أنّ ردود الفعل هذه "تعيق العولمة".

 2- هناك قناعة متزايدة بأنّ نجاحات بعض الشركات الخليجية، في بعض الحالات، وبوجه خاص الطيران، لم يعد ممكناً وقفها بقوة التنافس الحرة، ولعل عنواناً لتقرير في مجلة "ميد" في مايو 2006 يعبّر عن ذلك، فقد علّقت المجلة على نمو أعمال شركات طيران الإمارات، والاتحاد، والقطرية، بالقول "هل يمكن لأي أحد أن يوقف صعود شركات الطيران الخليجية؟", والواقع أنّ ما يحدث الآن هو محاولة شركات في قطاعات مختلفة دفع حكوماتها لممارسة سياسات حماية.

 3- الخوف من العولمة لا يتعلق بالشركات العربية حصراً، فقد أجرت صحيفة "فايننشال تايمز"، بالتعاون مع شركة "هاريس لاستطلاعات الرأي"، دراسة نشرت نتائجها في يوليو الماضي تحت عنوان "العولمة تولِّد وساوس"، حيث اتضح منه خشية مواطني الدول الغنية من الأثر السلبي اقتصادياً للعولمة عليهم، واتضح أنّ أقل من 20% من مواطني الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسبانيا، يعتقدون أن العولمة مفيدة لهم، وتعلّق الصحيفة أنّ هذه النتائج تساعد "السياسيين الشعبويين" على الدعوة لتقييد الاقتصاد.

4- تكشف القراءة المتأنِّية في أكثر من حالة، أنّ الحكومات الغربية لا تبدي حماسة لمعارضة الاستثمارات الخليجية، فيما يبدو انعكاساً لإدراك هذه الحكومات أنّ هذه الاستثمارات بعيدة عن الحسابات السياسية، وأنّ التهويل حول الخطر الأمني فيها لا معنى له، وتبدي الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وألمانيا مخاوف خاصة من استثمارات حكومية لدول مثل الصين وروسيا، حيث لا يمكن استبعاد الخطر السياسي المحتمل. ولكن ما يحدث أحياناً هو نجاح سياسيين "شعبويين"، وأصحاب مصالح مقربين من شركات معنية، يروِّجون صوراً نمطية عن العرب، ويستغلون قضية "الحرب على الإرهاب" لتبرير رفض كل ما هو شرق أوسطي. رغم ذلك لا يمكن تجاهل رؤية البعض لهذه الاستثمارات بأنّ لها دلالات حضارية وسياسي كبيرة، يعبّر عنها تصريح لورد ستيرلنج، الرئيس الأسبق لمجلس إدارة "بي آند أو"، عند شراء شركة موانئ دبي للشركة، عام 2005، (الذي لم يعارض الصفقة)، عندما قال حتى قبل الضجة التي أثيرت بالولايات المتحدة، إنّ الصفقة تعكس "نظاماً عالمياً جديداً أصبحت فيه المراكز التي كانت تقوم سابقاً بتزويد السفن البريطانية بالفحم تشتري الأصول البريطانية".

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 9/13/2007


Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0