لماذا تقف برلمانات عربية ضد الحريّات الفردية؟

 

مع اتساع ظاهرة البرلمانات المنتخبة في الدول العربية يتضح أن هذه البرلمانات يمكن أن تكون سدّاً بوجه الحريّات العامة والإصلاح بما يفوق الأنظمة والحكومات. والأمثلة كثيرة، ففي الأردن تحالف الإسلاميون مع القوى الاجتماعية التقليدية في البرلمان لرفض قانون يشدد عقوبة ما يسمى بـ"جرائم الشرف"، التي يقوم بها ذكور عائلة ما، ضد إناثها لأسباب مسلكيّة مختلفة، رغم كل ما تعنيه هذه الجرائم، من إعطاء البعض لأنفسهم حقوق تنفيذ ما يعتبرونه الحكم الشرعي، ورغم كل الحالات التي يتضح فيها أن الضحايا لم يقمن بما قيل إنهن قمن به، ورغم التمييز في التعامل بين الرجل والمرأة بشأن هذه السلوكيّات. وفي البحرين، تتحالف قوتا البرلمان الإسلاميتان الرئيستان المنقسمتان طائفياً، شيعة وسُنة، لمحاربة مهرجان باسم "ربيع الثقافة"، وبدأ التحقيق بالاعتراض على عرض معين، بعنوان "مجنون ليلى"، وانتهى بالتحقيق في كل شيء في المهرجان. وقبل ذلك كانت قوى إسلامية وتقليدية تلتقي في البرلمان الكويتي لرفض إعطاء المرأة حق التصويت في الانتخابات العامّة.

والسؤال لماذا هذا الدفاع المستميت ضد حقوق الأفراد وحرياتهم؟ ولماذا هذا التحالف بين قوى تتصارع فيما بينها في مناسبات كثيرة، ولكنها تلتقي ضد حقوق للأفراد، وهي حقوق لبعضها سند واضح في الشريعة الإسلامية، كما في حالة عدم جواز الاعتداء على أي روح من قبل أشخاص عاديين، دون قضاء، كما في حالة "جرائم الشرف"؟

 هذا الرفض، يتم بوعي أو دون وعي، لأنّ الحرية والاستقلالية الفردية تهدد سلطة القيادات التقليدية القبلية والدينية والحزبية، المتجسدة في ممارسة سيطرة العائلة والجماعة. ولأن الحزب أو الجماعة السياسية تحولت بذاتها لنوع من العشيرة. وإذا ما عاش الأشخاص بدرجة عالية من الاستقلال، فإن النخب التقليدية تفقد حالة التأييد الأعمى، من قواعدها الاجتماعية، وسيكون هناك أفراد أكثر ميلاً للنقاش والمساءلة والانتقاد والمنافسة لهذه النخب. لذلك يتم الحرص على تبعية الأفراد للقبيلة ولرجال الدين، ويتم خلط العادات وقواعد المجتمع الأبوي بالدين، باسم الأخلاق والهوية، بل إن كثيراً من الأحزاب التي تدّعي العلمانية، واليسارية، تسقط في الممارسات الطائفية والفئوية وتنهج ذات النهج من تقييد الحقوق الفردية ودعوتهم للطاعة لـ"الزعيم الرمز". ومن هنا ليس غريباً أن تصبح ممارسات مثل الواسطة، و"المحاصصات" الطائفية، والقبلية، والحزبية، وجهاً آخر لرفض حرية وتساوي الأفراد. ليتحول البرلمان إلى سبيل لهذه الممارسات، التي هي بدورها آلية لشراء طاعة الأفراد وضمان استمرار تبعيتهم الاجتماعية والسياسية. فهذه المجموعات تختلف على "الحصص" وتتحد على مبدأ المحاصصة والسيطرة على القواعد الاجتماعية. ويتم تصوير الحريّات الفرديّة كما لو كانت مرادفاً للفساد والانحلال، لذلك تظهر معارضة هذه الحريات في الأوساط الشعبية ذاتها، ويخشى الفرد إعلان تأييده للحرية الفردية، ولاستقلاليته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، خوفاً من "القمع الاجتماعي"، ولأن فرصه في العمل والدراسة وغير ذلك، مرتبطة بالتزامه بنسق الطاعة والولاء في المجتمع.

واللافت أنّ القوى الدولية الخارجية لم تتجاهل الإصلاح على أساس حقوق الأفراد وعلى أساس المواطنة، وحسب، بل وكما توضِّح الحالة العراقية، لم يتم إعطاء أدنى اهتمام لخطر حلول البنى التقليدية الطائفية والبطريركية مكان نظام صدّام حسين الدموي الاستبدادي السابق، وتم توظيف هذه البنى والتحالف معها لتحقيق أهداف سياسية معينة، تماماً كما فعل من قبل الاستعمار التركي والبريطاني.

لكي يحصل تحول ديمقراطي حقيقي لابد من ليبرالية فردية، تبدأ بتساوي الفرص بين المواطنين، وتأكيد مبدأ المواطنة، بعيداً عن الاعتبارات العائلية والعشائرية والدينية والطائفية، فتتساوى فرص العمل والتعليم والمنافع العامة، لتصبح على أساس التنافس الموضوعي، وصيانة حق التعبير، ومنع الاضطهاد باسم المجتمع، أو باسم الأمن السياسي. وعندما يشعر الفرد بأنّه هو من يقرر مستقبله، لا انتماؤه الاجتماعي والأيديولوجي، سيصبح بإمكانه التفكير بحرية، وسينتخب أيضاً برلماناً على أساس برنامج ومصالح عامة، لا على أساس التزام عائلي وفتاوى دينية تتغير بين انتخابات وأخرى.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 5/10/2007


Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0