نحو قيادة فلسطينية "فضفاضة" مؤقتة

 

قد يجسّد اتفاق مكة، بين حركتي "فتح" و"حماس"، بداية حقيقية لمرحلة جديدة في القضية الفلسطينية، وربما في تاريخ المنطقة، قائمة على مشاركة بين قوة سياسية وطنية غير أيديولوجية، استمرت في القيادة أكثر من أربعة عقود، وبين حركة إسلامية. وذلك إذا ما تطورت الأمور إلى تكامل التجربة العميقة لحركة "فتح" مع حركة "حماس"، فالأولى لديها تجربة التعاطي العقلاني البراجماتي مع البعد الدولي للقضية الفلسطينية، ولديها إرث نضالي وتنظيمي كبيرين تجسدا عبر ممارسة العملين العسكري والجماهيري المقاومين لعقود، و"حماس" غير ملوثة بفساد القيادة والسلطة، ولديها تنظيم متماسك نسبياً. والتكامل المنشود يوجد ثنائية في القيادة وحالات متكررة من تداول مقاعد القيادة والمعارضة، بما يتضمنه ذلك من مراقبة يمارسها كل بحق الآخر. فيتم ضبط حركة "فتح" وإجبارها على الإصلاح الداخلي، وعلى التخلص من العناصر والقيادات الفاسدة، ومن الترهل والعشوائية في الأداء السياسي لدى أوساط مؤثرة في الحركة، وفرض الاحترام للقواعد الشعبية والتنظيمية، وفرض شفافية أكبر في إدارة العملية التفاوضية، مقابل مزيد من الواقعية السياسية لحركة "حماس"، وربط المقاومة الميدانية بأهداف سياسية واقعية، والتخلص من الخطاب التخويني والتكفيري، مع منع الانزلاق إلى الفساد والمنطق الفصائلي في إدارة السلطة... وبالتالي تصبح الساحة الفلسطينية محكومة بعلاقة ثنائية قطبية تنافسية- رقابية، ويتقبل الطرفان مبدأ تداول القيادة، بين انتخابات وأخرى، فانفراد "فتح" بالسلطة لن يتكرر، ولا يجب أن تحاول "حماس" التفرد بالقيادة، فهذا لن يتحقق.

 

لتحقيق هذا السيناريو الطموح والمتفائل، لابد من صياغة هياكل جديدة للسياسة الفلسطينية، متمثلة في إعادة هيكلة كل من منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية. وهناك الآن اتفاق على عقد اجتماعات للقيادة الفلسطينية متمثلة في اللجنة التنفيذية للمنظمة وقادة الفصائل وشخصيات وطنية فلسطينية بارزة، لبحث إعادة بناء منظمة التحرير. ولعله من الواقعية تبني هذه الصيغة مؤقتاً، إذ الإسراع بالتفاوض على أسس إعادة تشكيل هيئات منظمة التحرير، وتحديداً المجلس الوطني، الذي سيعيد انتخاب اللجنة التنفيذية، وبالتالي الرئيس الفلسطيني، قد يكون متعذراً لأسباب منها تعذر إجراء انتخابات في الشتات، وأن تركيبة المنظمة الحالية تعتمد على الاتحادات المهنية والعمالية، وليس على نسب للفصائل، ومن ثم فالقفز إلى هذه الملفات قد يفجر الحوار. ومع تعذر الاستمرار في اعتبار اللجنة التنفيذية الحالية للمنظمة، هي القيادة الشرعية، فإنّه يمكن استخدام صيغة القيادة الموسعة الفضفاضة، والتي سبق وأن اعتمدها الرئيس الراحل ياسر عرفات، لفترات مختلفة، كصيغة مؤقتة تتخذ عبرها القرارات بالتفاهم وشبه الإجماع (دون تصويت)، مع التعارف مسبقاً على أنّ "فتح" و"حماس" فقط لهما حق "الفيتو"، وعلى أن يكون مفهوماً ضمنياً أن الرئاسة الفلسطينية تتولى عملية المفاوضات مع إسرائيل، وأنّ هذه المهمة ستترك للرئاسة إلى حين التوصل لاتفاق قد يطرح آنذاك للجدل الداخلي وللاستفتاء. في هذه الأثناء يتم إعطاء "حماس" تمثيلاً في الوفود الفلسطينية للفعاليات الدولية كالقمم والاجتماعات العربية.

 

وتشرف هذه القيادة الموسعة، على إصلاح المنظمة، وفق نهج يتدرج من الأسفل إلى الأعلى، بدءاً بتشكيل لجان من الاختصاصيين الفلسطينيين والقيادات الميدانية المناضلة والأكاديميين والمهنيين، لوضع خطط بعث المؤسسات الدبلوماسية والبحثية والإعلامية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية... الفلسطينية؛ في الداخل وفي الشتات. وتضع قانوناً أساسياً جديداً للسلطة الفلسطينية، يعيد تعريف علاقة السلطات ببعضها بعضاً؛ بين رئيس السلطة ورئيس الحكومة، اعتماداً على خبراء الفقه الدستوري والنظم السياسية، بعيداً عن المقاييس الفصائلية، مع احتفاظ الفصائل، عبر هذه القيادة، بدور رئيسي في الإقرار النهائي لتلك الخطط. وبحيث يكون الهدف تقليل معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، مع إعادة استقطاب الطاقات الفلسطينية وتعبئتها في خدمة القضية، بما يؤدي لإفراز آليات ومؤسسات ووجوه وكفاءات وطنية مقبولة قادرة على العمل مع بعضها بعضاً، وعلى التفاهم بالتدريج على القضايا الكبرى مثل ميثاق منظمة التحرير الجديد، والحل السياسي، وإعادة تشكيل هيئات منظمة التحرير والدولة الفلسطينية، أو كليهما معاً.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 2/15/2007


Warning: Unknown: open(/home/azem/public_html/files/tmp/sess_45jd9pe8rqs2gtibsg9lbrver1, O_RDWR) failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0