متوازية الجيش الفلسطيني 

 

اقترح الجانب المصري في سياق جهود الوساطة بين حركتي "فتح" و"حماس"، الفلسطينيتين، بناء جيش وطني، يضم أبناء الشعب الفلسطيني من مختلف أطيافهم السياسية. وواقع الأمر أنّ هذا الاقتراح ليس جديراً بالبحث فقط، بل وبالتطوير، على قاعدة البدء بمنهج متوازٍ في علاج المأزق الفلسطيني.

 والتوازي المقصود، هو الفصل بين ملف إدارة الشأن الفلسطيني الداخلي، وبين موضوع مواجهة الاحتلال والتسوية السياسية للقضية الفلسطينية. وربما يبدو الاقتراح غريباً، ولكن لابد من اختباره، انطلاقاً من أنّ مساحة الخلاف الداخلي يفترض، أنّها نظرياً على الأقل، أقل منها في موضوع العلاقة/ المواجهة مع إسرائيل.

من هنا فإن وضع ميثاق وطني فلسطيني داخلي، يتعلق بشؤون الشعب الفلسطيني الذاتية، أمر ممكن، في حين يتم التفاوض بين الفصائل الفلسطينية، على ميثاق أو وثيقة وفاق وطني خاصة بالمواجهة مع العدو سياسياً وعسكرياً مع انفصال المسارين.

وعودة لاقتراح الجيش الفلسطيني، فإنّ إصلاح الأجهزة الأمنية قضية كانت مطروحة منذ ما قبل صعود "حماس" للسلطة، وللأسف فإن ما حصل بصعود "حماس"، هو أنّه أصبح هناك فصيلان، أو جيشان، أحدهما لـ"فتح" والآخر لـ"حماس"، ومن الممكن وضع اللبنة الأولى في الميثاق الوطني الفلسطيني الداخلي، على أساس تحييد قوات الأمن عن العمل السياسي، بل وفرض فصل بين العمل السياسي والأمني. وهذا ضمانة للحاضر وللمستقبل، إذا ما أقيمت دولة فلسطينية؛ ألا يصعد الجنرالات للحكم. وهذا التوافق سيحل مشكلة من يحصل على منصب وزارة الداخلية الفلسطينية، في حكومة وحدة وطنية، باختيار شخصية أمنية قوية يتم التوافق عليها، ويفضل أن تكون من خارج الفصائل السياسية، وربما تتم الاستعانة في البداية بفرق رقابة وإرشاد، مصرية وأردنية وعربية أخرى. ويمكن أن يتمثل في مجلس الأمن القومي ممثلون عن الفصائل المختلفة لضمان ممارسة الرقابة على عمل الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية.

ولكن الجيش الوطني، الخاص بقوى الأمن الداخلي، ليس سوى مفردة واحد من متوازية العمل الفلسطيني المقترحة. إذ كما سلف، فإن المقصود أن يتم ترتيب شؤون البيت الداخلي الفلسطيني بالتوازي مع الشق الخاص بالمواجهة للاحتلال، والمنطق في ذلك، هو أولاً، أنّ الصراع لا زال طويلاً ولا توجد ضمانة أنّ أي حل مرحلي أو غير مرحلي وشيك، ما يتطلب تلبية حاجات ومتطلبات صمود الشعب الفلسطيني، وإعداد الإنسان الفلسطيني على النحو الأمثل. ثانياً، أنّ ترتيب الشأن الداخلي من شأنه تحسين القدرة على مواجهة إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً، كما في مجالات المقاومة المختلفة. ثالثاً، الأصل أنّ هذا البناء للمؤسسات المجتمعية الفلسطينية هو وسيلة لإعادة تجنيد الطاقات الفلسطينية، حول العالم، دون استقطاب فصائلي، وإعادة تقديم الوجه الناصع للمجتمع الفلسطيني.

وعدا عن الجانب الأمني والعسكري، فإنّ بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني، يجب ويمكن أن يكون قاعدة عمل مشترك، وذلك داخل وخارج فلسطين، فمثلاً إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية البحثية، والإعلامية، والتعليمية، والدبلوماسية، والاقتصادية، أولوية مهمة، ويمكن أن تتم حتى قبل إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، (أي قبل مناقشة المحاصصة الفصائلية)، شريطة أن يتم ذلك استناداً لشفافية عالية، وروح مسؤولية عالية، تقوم على استقطاب الكفاءات والخبرات الفلسطينية من الداخل الفلسطيني والشتات، بإشراف هيئات وكفاءات فلسطينية محايدة، وربما بمساعدة عربية ودولية.

ما يحدث الآن نكبة فلسطينية جديدة بكل المقاييس، أخطر ما فيها إضافة لنزيف الدم الفلسطيني، تدمير ما حققه نضال الشعب الفلسطيني عبر عقود من التضحيات والعمل، من تعاطف إسلامي وعربي ودولي، فمع هذا الاقتتال لا يمكن أن يستمر مثل هذا التعاطف، وهذا بدوره من شأنه أن يؤدي لتراجع القضية الفلسطينية وتهميشها دولياً. ولعل استغلال فرص الوساطة الحالية والبدء بمراجعة حقيقية، هو الفرصة الأخيرة للفصائل المتناحرة، ولعل هذه الفصائل تتوصل لقناعة أخيراً، أنّ الاقتتال لم، ولن، يؤدي لرابحين، وأنّ الانجرار وراء الأصوات الداعية للمواجهة، فيه دمار للجميع، وسيؤدي أيضاً بالفلسطينيين والعالم للفظ كلا المتصارعين على حد سواء، والتبرؤ منهما، ولن يسجل التاريخ لأي منهما أي فضل.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 2/1/2007


Warning: Unknown: open(/home/azem/public_html/files/tmp/sess_635pc8gjdfod9ihcmgpcugrbs3, O_RDWR) failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0