حسابات نجاد بعد 60 يوماً 

 

ما هو أكيد في خطوة احتجاز 15 بحاراً بريطانياً صباح يوم الجمعة الفائت، من قبل إيران، أثناء تواجدهم في "شط العرب"، أنّ الاحتجاز قرار سياسي، وليس حادثاً وليد لحظته، إذ حتى لو تم التسليم برواية إيران أنّ الاحتجاز رد على دخول مياهها الإقليمية، فإنّ التوقيت له دلالات عدة؛ فقد أشار بيان وزارة الخارجية الإيرانية، إلى أن هذه "ليست المرة الأولى التي يدخل فيها البحارة البريطانيون بشكل غير شرعي المياه الإقليمية الإيرانية في أرواندرود (شط العرب)". وقال مدير عام دائرة غرب أوروبا في الوزارة: "إنّ الجنود البريطانيين انتهكوا مرات عديدة المياه الإقليمية الإيرانية في (نهر أروند) خلال فترة احتلال العراق"، إذن ما الذي يجعل إيران تتحرك في هذه اللحظة تحديداً؟

واقع الأمر أنّ الحسابات الإيرانية، وتحديداً حسابات الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، وحلفائه في الأطر العسكرية المختلفة، اختلفت كثيراً في الستين يوماً الماضية؛ منذ إصدار قرار مجلس الأمن الدولي، رقم 1737، الذي فرض عقوبات على إيران بسبب عدم وقف تخصيب اليورانيوم، وصولاً إلى قرار المجلس رقم 1747، السبت الماضي الذي عزز العقوبات. فحتى ديسمبر كانت هناك مراهنة على دعم دولي في وجه الدبلوماسية الأميركية، وتحديداً دعم روسي وصيني، وعلى خلافات الرأي بين أوروبا وواشنطن، وكان هناك اعتقاد بوجود فرصة سانحة لتمدد النفوذ الإقليمي الإيراني من البوابة العراقية، وكل هذا تغيّر الآن، وتم اتخاذ قرار مجلس الأمن الجديد بسهولة نسبية، ووصلت العلاقات مع روسيا أدنى درجاتها، بعد توقف الأخيرة عن مد مفاعل بوشهر الإيراني بالوقود النووي، بغض النظر أكان ذلك لأسباب مالية أم سياسية. وبينما يتراجع صقور "المحافظين الجدد" المؤيدين للعمل العسكري ضد إيران في أروقة صناعة القرار الأميركية، لصالح الدبلوماسية التي تقودها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، فإنّ هذا التراجع يساعد على حشد تأييد دولي لموقف سياسي ودبلوماسي حازم مع إيران، لكن في الوقت ذاته، فإنّ نقل قوات إضافية أميركية للمنطقة، يوجه رسالة لإيران، دون أن يعني ذلك احتمالية مواجهة أو ضربة عسكرية، بل قد يعني مطاردة الوجود الإيراني بالعراق، والتهيئة لفرض حصار تجاري على إيران بحراً.

 وخطوة احتجاز البحارة، من شأنها زيادة الفجوة مع أوروبا، وتسهيل مهمة استصدار قرارات دولية جديدة ضد إيران، وتسهيل إقناع الشركات الأوروبية واليابانية بتشديد المقاطعة لإيران وهذا كله يعني متاعب إضافية لإيران، إذنا فما مبررات هذا القرار؟

في الواقع أنّ المبررات المحتملة، تتمثل في، أولاً أنّ هذه الخطوة رد، على خطوات اعتقال ضباط استخبارات وقياديين في "جيش القدس" الإيراني، بالعراق، وتشجيع مسؤولين إيرانيين للانشقاق والسفر للخارج ومحاولة لردع الغرب عن خطوات إضافية من هذا النوع. وثانياً، هذه الخطوة تمثّل تصعيداً في المواجهة الخارجية، قد يؤدي لتعزيز وحدة الأطر السياسية الإيرانية الداخلية، حتى لو كانت وحدة مؤقتة. وثالثاً، تدرك إيران أنّ نقطة قوتها الأكبر عسكرياً، هي فيما يسمى حرب القوى اللامتماثلة (Asymmetric)، وهي الحرب بين قوتين مختلفتين في الاستعداد والقوات. وقوة إيران في هذا المضمار، ضمن أمور أخرى، تتضمن القدرة على شن عمليّات استنزاف عبر عمليات محدودة واستخباراتية في الدول المحيطة، أو ضرب طرق الملاحة البحرية لإمدادات الطاقة في مضيق هرمز، وبهذه العمليّة ترسل إيران رسالة بأنّها قادرة على فرض شروط اللعبة، وأنّ هزيمتها الدبلوماسية لا تلغي وجود خيارات أخرى لديها، والتي من نتائجها الفورية ارتفاع أسعار النفط. وتعرف طهران أنّ حجز جنود بريطانيين، لن يستفز رد فعل عسكرياً بريطانياً، لأنّ بريطانيا غير راغبة، وغير مستعدة، لمثل هذه المواجهة، بعكس ما لو كان المحتجزون جنوداً أميركيين، ولكن هذه الخطوة، تجسّد تبني نجاد لسياسة "حافة الهاوية"، مما يجعل خطوات تصعيد أخرى غير مستبعدة. ولكن إن لم تعقب هذه الخطوة وساطة دولية تؤدي لحل القضية، وحل قضايا أخرى، فإنّ إيران ستكون قد عقدت موقفها كثيراً بعد 60 يوماً، عند موعد دراسة إصدار قرار دولي جديد بشأنها.

نشر في الاتحاد الظبيانية بتاريخ 3/29/2007


Warning: Unknown: write failed: Disk quota exceeded (122) in Unknown on line 0

Warning: Unknown: Failed to write session data (files). Please verify that the current setting of session.save_path is correct (/home/azem/public_html/files/tmp) in Unknown on line 0