تسليم غزة إلى "حماس"

فرضت حركة "حماس" نهاية العام 2018، ضرائب وجمارك في غزة، بمعزل عن الحكومة في رام الله، ثم قامت باعتقال مئات من عناصر حركة "فتح"، وردت السلطة الفلسطينية، بحملة إعلامية، وبالإعلان يوم الأحد 6 يناير (كانون ثاني)، 2019، سحب موظفيها من المعابر، وخصوصاً معبر رفح، مع مصر. يبدو أنّ "حماس" أو جزء منها، أراد إتباع الأموال التي جاءت من قطر، بوساطة مصرية، وموافقة إسرائيلية، بفرض المزيد من القوة على الأرض، وهذا قرّب الرئاسة الفلسطينية، من تطبيق سياسة "إما كل شيء أو لا شيء"، التي أعلنتها عام 2018.

إذا لم يتم احتواء الوضع، فربما تكون عملية الانسحاب الكامل للسلطة من غزة تسارعت، والمراهنة أنّ "حماس" ستنهار في مواجهة الأعباء التي ستُلقى عليها.   

استمرت السلطة الفلسطينية، في دفع رواتب للعاملين في قطاع غزة، وتمويل جزء كبير من الخدمات في القطاع، رغم سيطرة حركة "حماس"، على الوضع هناك بالقوة منذ عام 2007. وبينما اعتبرت "حماس" في الأشهر الفائتة، وقف خمسين بالمئة من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية (موظفي ما قبل 2007)، "عقوبات" على القطاع، كانت "حماس" ذاتها، في  السابق تتحفظ على استمرار دفع الرواتب. فمثلا في عام 2014، حاصرت "شرطة "حماس"، بنوك قطاع غزة، ومنعتها من صرف تلك الرواتب، مشترطةً دفع الرواتب أيضاً للموظفين الذين عينتهم هي.

ربما كان قرارا السلطة في رام الله، دفع جزء من الرواتب وتكاليف الخدمات، بهدف الاستمرار بلعب دور مؤثر في الحياة اليومية في القطاع، وخشية تمكن "حماس" من تأمين موارد بديلة، فتسهل سيطرتها على الأرض، والناس.

تغيرت القناعات في القيادة الفلسطينية، وباتت الحسابات، أنّه اتضح أنّ "حماس" لا تستطيع تأمين موارد بديلة، وأن ما يقدم للقطاع عبر السلطة، في رام الله، يخدمها، لذلك لا يجب تقديم شيء يديم وجودها، وعليها تحمل واجبات قطاع غزة، ما دامت تسيطر عليه، وتصر على دورها الأمني والعسكري بأكبر قدر ممكن.       

تكرر حكومة رامي الحمدالله، أن مجموع ما تدفعه للقطاع، قريب من 100 مليون دولار شهرياً، وتغطي تلك بنود في الصحة، والكهرباء، والماء، والتعليم، والوقود، والرواتب، وتقول الحكومة أنّ "حماس"، تأخذ من عائدات هذه القطاعات. وبغض النظر عن التفاصيل؛ وعن ما تجبيه حكومة رام الله، من غزة، وحجم الرسوم والضرائب التي تجبيها "حماس"، فإنّ جزء كبير مما يأتي للقطاع تتحكم به الحكومة في رام الله.

إذا كانت "حماس" تعتقد فعلاًأنّ الرئيس الفلسطيني أنزل عقوبات في موظفي قطاع غزة، وجزء أساسي منهم من حركة "فتح"، وإذا كانت تعتقد أن الرئيس يعاني بشعبيته وشرعيته، فلماذا استنفرت هذا الجهد الهائل لمنع احتفالية "فتح" السنوية؟ لماذا لم تجعل المناسبة فرصة لإثبات غضب الناس من الرئيس ومن السلطة؟. والأهم ما الذي يضيرها من انعقاد الاحتفالية؟  

الآن قد تقوم السلطة في رام الله، بوقف شامل أو جزئي لمدفوعات وأدوار أخرى، في غزة، أولها المعابر، وربما توقف إصدار جوازات السفر، والوثائق، وسيقال لحماس، أن تتولى كل الواجبات، إذا استطاعت، بما أنها مصرة على الاحتفاظ بأغلب الصلاحيات الأمنية، وجزء كبير من الصلاحيات الإدارية والمالية.  

المغامرة، هنا أنّ إسرائيل ودول عربية قد تسهل لحماس سبل البقاء، عبر الموافقة على وجودها على المعابر، وعبر مساعدات اقتصادية، والأهم تحويل جزء من أموال المقاصة إلى قطاع غزة مباشرة. وإذا تم هذا يكون الانفصال بين الضفة الغربية وغزة، قد قطع شوطاً جديداً، وتكون حكومة "حماس" تكرست أكثر، ولكل هذا طبعاً ثمن سياسي تدفعه "حماس"، وطبعاً كل الشعب الفلسطيني سيدفع الثمن.

إذا لم يحدث هذا، فإنّ "حماس" أمام خيارين؛ أن يواجهها الناس لطلب العلاج، والتعليم، والمجاري، والصحة، وجوازات السفر، وكثير من الأمور الأخرى. وسيقال لحركة "حماس" أنها السطة والقوة الموجودة المسيطرة، وبالتالي عليها واجبات. وطبعاً قد تحاول "حماس" قلب الطاولة، بعمليات عسكرية من غزة، أو الضفة الغربية، ما يؤجج الوضع، ولا يحله.   

الخيار الثاني، تخلى "حماس" عن كل الصلاحيات الإدارية، والأمنية، القانونية في غزة.

خيارات الوحدة الوطنية وإعادة رسم استراتيجية وطنية شاملة، لا يبدوا أنها مطروحة.  

نُشر في الغد الأردنية، 7 يناير 2019